New Page 1
New Page 1
صفحة الطريقة العلوية الدرقاوية على اليوتيوب
----------------
صفحة الشيخ الدكتور احمد الردايده على الفيس بوك
----------------
جمعية الشيخ العلاوي لاحياء التراث العلوي في المغرب
----------------
الطريقة الشاذلية على ويكيبيديا
----------------
صفحه الشيخ الدكتور احمد الردايده على قناه اليوتيوب
----------------
 
 
التصوف في الاسلام

 

ما هو التصوّف في الإسلام ؟

          إنّ أعزّ ما عند المسلم عقيدته وكرامته، فهما رأس مال وافر النتاج حيث أنّهما ركيزتان تدلان على إنسانيتّه التي خلقه الله لأجلها وجعل مرتبتها في أعلى عليين وفتح له سبل الخير وأطلق له الطريق السويّ واضحا للعيان لا غبار عليه ولا شكّ، بل هو الحق اليقين : ( وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون/ الذاريات آيـــــــة / 56 )، ( ولقد كرّمنا بني أدم / الإسراء آية/ 70 ) .

         إنّ من واجب المسلم الموحّد أن يعرف سمة هذه الكرامة ويتحقق من جوهرها حتى يكون له نصيبا وافرا وقسطا من الراحة النفسيّة والسريريّة لتهدأ جوارحه ويحصل لها السكينة والوقار، ويستشعر عن قرب عظمة القدرة السارية في المخلوقات، وتحصل له ناحية من الاستغراق الفكري النورانّي ثوبه في غاية الشفافية، قد تمّ ملؤه علما ربانيّا فيّاضا ذا صفة وهبيّة ( واتقوا الله ويعلّمكم الله / البقرة آية / 282 )، وكما يقول الصالحون في مدائحهم : 

رقيق دقيق النعت نعجز عن وصفه

                              وكلّ واصف الحسن عن وصفه كلا

فلنا من عقل العقول عقل فيا له

                          جوهر فريد الحسن يا حبذا عقلا

لا يعقل ما سوى الله جلّ ثناؤه

                       فهذا هو العقال يعقل ولو قلّ

         إنّه من الضرورة بمكان بأنّ لكلّ شيء بابا لا بدّ من ولوجه ليصل في نهاية المطاف إلى حقيقة التوحيد التي لا زيادة على أصلها لأنّها دائمة التلوّن والتغيير، وتقع تحت طائلة لوح المحو والإثبات، وإنّ الوسيلة التي تقودك إلى ذلك الباب استعدادا للدخول هو ديمومتك لذكر الله سبحانه وتعالى جماعة وفرادى، والأقوى دائما هو المطلوب والذي تدور حوله الطموحات والآمال .

         إنّ من الواجب على المسلم المؤمن المحسن أن يتحقق من الظواهر الربانيّة ما بدا منها للعيان وما غاب منها عن العيان حتى يكون له نصيب من صفاء القلوب وإقدامها على الله راغبة راهبة مقبلة غير مدبرة يحدوها الأمل والرجاء للفوز بالوطر.

         إنّ السلوك الصوفّي النابع من صفاء القلوب وطهارتها هو كفيل بأن يحقق لك ما هو في نظرك مستحيل الوصول إليه لصعوبة ذلك ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب / الرعد آية / 39 )، وإنّه من الواجب أن نورد نبذة موجزة جدا عن التصوّف ودلالة مشروعيته وفضائله ونتائجه وذلك بأسلوب مختصر حتى تكون رشفة فيها شفاء لكلّ سقيم أو أعياه الظمأ إن شاء الله .

         إنّ التصوّف في حقيقته هو الركن الثالث من أركان الدين ألا وهــــو ( ركن الإحسان )، الذي وصفه الرسول صلّى الله عليه وسلّم بقوله : ( أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك ) رواه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه، والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة في سننهم، وهذا يعطيك صورة واضحة لا غبار عليها بأنّ ركن المراقبة من العبد لله سبحانه وتعالى في كلّ حركة وسكنه، ولقد سار أهل الصفّة في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذا المنهج وكان جلّهم من كبار الصحابة رضوان الله عليهم ، وكثيرا ما كان يجلس معهم عليه الصلاة والسلام والأحاديث والروايات حول ذلك كثيرة ولكن من باب الاقتضاب الوارد في القرآن الكريم مخاطبا الحق لرسوله صلّى الله عليه وسلّم خاصّة ولأمته عامّة بقوله : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا / الكهف آية / 28 )، فلمّا نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعلن قائلا مفتخرا : ( الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفس معهم ) رواه أبو داود في سننه، إنّ هذه الآية هي دعوة لها خاصيّة في صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حيث أنّ لهم السبق في مركب الخير والفلاح حتى يكونوا منارة الهرم العلويّة للولاية وأهلها على اختلاف مراتبهم وأحوالهم .

         لقد درج على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، حيث كانوا فرسانا بالنهار رهبانا بالليل وتفرعت تلك الشجرة في الولاية في الأصلاب والأنساب في المسلمين، لتبقى تؤتي ثمارها وبدون انقطاع .

         إنّك لم تكن تسمع في صدر الإسلام الأول بأنّ الصحابة كانوا  ينعتون بعضهم بعضا : ( يا حاج ، يا صوفي، يا ذاكر، يا عابد، يا زاهد )، لأنّ جميعهم كانوا يتحلون بهذه الصفات حيث أنّهم كانوا ( مسلمين، مؤمنين، محسنين )، ومن البديهي ما دامت هكذا صفاتهم فلا ضرورة لأن ينعتوا بعضهم البعض بها، ولكن لما فتحت الدنيا أبوابها على من بعدهم أخذت النفوس تميل إليها، وأخذت زخارفها وبهرجتها بعضهم، فدخلت الظلمة إلى القلوب لتطرد بعضا من جيوش الأنوار التي كانت تشغلها، ومن باب المحافظة على هذا الإرث النبويّ من الضياع كان أول من تكلّم به ونادى به على رؤوس الأشهاد سيدنا ( الحسن البصري )، رضيع زوج الرسول صلّى الله عليه وسلّم سيدتنا ( أم سلمـــة )، وذلك في خلافة سيدنا ( علي بن أبي طالب ) كرّم الله وجهه، وكان وقتها لا يتجاوز الثانية عشر ربيعا من عمره .

         إنّه من الكفاية لو تصفحنا شجرة النسب لأهل الولاية لوجدنا كثيرا منهم قد كتب في سيرتهم ومنهاجهم، ولكن مع مرور الزمن يقتضي التجديد والتنقيح لأنّ لكلّ زمان ما يخص أهله حتى على مجال التفكير والفهم، حيث تقتضي المخاطبة للمخلوقات على مقدار ما تتحمل عقولهم بالحجة والأمر القاطع بأنّ أعلام التصوف هم كثر ومناقبهم وكراماتهم عظيمة، لأنّ الله لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها .

أولا : إنّ كثيرا من المثقفين في عصرنا الحاضر يمجّون ذكر الكرامات الصلاحيّة للأولياء المتناثرة والمدونة في كثير من الكتب والمخطوطات لكثير من الأولياء بشكل عام، ولقد وصل الأمر ببعض المنكرين للكرامات أن أنكروا كلّ المعجزات الحسيّة التي ذكرت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في السنّة الصحيحة وفي الأخبار التي محّصها رجال الحديث واكتفوا ويا للأسف -  في المعجزات -  بالقرآن الكريم نافين كلّ شيء غيره ممّا ذكرته كتب الصحاح على اختلاف ألوانها .

         هنالك براهين تقرع العقول البشريّة لتثبت هذه الكرامات للأسباب الآتية : 

         إنّ القرآن الكريم يحدثنا في أسلوب لا لبس فيه عن المعجزات التي تفضّل الله بها على رسله وأنبيائه .

 أ : ويحدثنا عن الكرامات التي منحها لأوليائه وأصفيائه وكما هو آت  : 

( 1 ) : ألم يحدثنا القرآن بصورة لا تحتمل التأويل بأنّ سيدنا ( عيسى ) عليه السلام كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله  ؟، وأنّه كان يبريء الأكمه والأبرص ويحي الموتى بـــإذن الله ؟ ( ورسولا إلى بني إسرائيل أنّي قد جئتكم بآية من ربّكم أنّي أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبريء الأكمه والأبرص وأحيّ الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم / آل عمران / آية / 49 )، ( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلّم الناس في المهد وكهلا وإذ علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل / المائدة آية / 110 ) .

( 2 ) : ألم يحدثنا عن سيدنا ( موسى ) عليه السلام بأنّه ألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، وبأنّه أخرج يده فإذا هي بيضاء للناظرين ؟ ( وما تلك بيمينك يا موسـى *  قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخـرى *  قال ألقها ياموسى *  فألقاها فإذا هي حيّة تسعى *  قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى * واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخـرى / طه آية / من 17 – 22 ) .

( 3 ) : ألم تحمل سيدتنا ( مريم ) بسيدنا ( عيسى ) عليهما السلام من غير أب خارقة بذلك قوانين الطبيعة، وكانت كلّما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقــــــــا ؟ ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويّا * قال إنّما أنا رسول ربّك لأهب لك غلاما زكيا * فحملته فانتبذت به مكانا قصيا * فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا / مريم آية / 17 ، 19 ، 22، 23)، ( وكفلّها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنّى لك هذا قالـت هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب / آل عمران آية / 37 ) .  

 ب: إنّ ما نسميه قوانين الطبيعة إنّما هو في الواقع ( عادات ) الطبيعة، وخرقها ليس بمستحيل عقلا، وخرقها لا يترتب عليه مستحيل، وعادات الطبيعة تسيطر على ربّ الطبيعــــة .

 ج : إنّ الذي تجري على أيديهم المعجزات أو الكرامات فهم لا ينسبوها إلى أنفسهم بل ينسبوها إلى الله المتفضّل الوهاب، صاحب القهر، من هو على كلّ شيء قدير.

د : إنّ منكريّ الكرامات على مرّ العصور يتميّزون بألوان من الغلظة وقساوة القلب لأنّهم فاقدين لرقّة الشعور، وصفاء البصيرة، وملائكيّة الروح، حيث لم يخالط الإيمان شغاف قلوبهم وإنّما بقي صورة شكليّة فقط قائمة في أذهانهم وعقولهم .

 هـ : إنّ جمهرة المسلمين عامّتهم وخاصّتهم وقممّهم في العلم والذين يثبتون الكرامات ويؤمنون بــها .

ثانــيا : إنّ هنالك من الشواهد العينيّة عن الأولياء والصالحين الشيء الكثير، الكثير الذي لا يحصى ولا يعد لأنّ المعجزة أو الكرامة على ثلاثة أنواع، ويجريها الله على يد كثير من البشر وكما هو آت : 

 أ : يجريها الله على أيدي الأنبياء والمرسلين وتعتبر بحقهم معجزة ولهم الحق أن يظهروها أنّى شاءوا دفاعا عن دين الله وإظهارا له .

 ب : يجريها الله على أيدي الأولياء والصالحين وتعتبر إرهاصا ( تأييدا ) بحقهم،  وليس لهم الحق أن يظهروها إلاّ في حالة الضرورة القصوى دفاعا عن دين الله وشريعة رسوله صلّى الله عليه وسلّم .

 ج : يجريها الله على أيدي الفاجر والملحد وتعتبر بحقه استدراجا من الله له لهلاكه كالمسيخ الدجال الذي يظهر في آخر الزمان .

ثالــثا : إنّ الصوفّي لا يكون صوفيّا بالقراءة أو الدراسة والبحث، حتى ولو كانت هذه القراءة والدراسة في الكتب الصوفيّة نفسها وفي المجال الصوفّي خاصّة، ولقد درس الإمام الغزالي كتب الصوفيّة المحقّقين بتعمّق وتأمّل، ومنها ما روي عن الجنيد وعن الشبلي وغيرهم، ثمّ اعترف بأنّ ذلك لم يجعله صوفيا .

         وابن سيناء درس التصوّف في كتبه الأصليّة، وخالط الصوفيّة وتحدّث إليهم وكتب في التصوّف فصولا، ومع ذلك لم يصبح بذلك صوفيّا ولم تجعله دراسته للتصوّف وكتابته عنه في عداد المتصوّفة .

         مع أنّه من الممكن أن يكون الصوفي أميّا لم يقرأ فلسفة، ولم يجهد نفسه في بحث   

         إذا الحديث عن المصادر والبيئة والتقليد والتأثّر في مجال التصوّف إنّما يقوم على أساس غير صحيح ، حيث إنّ هذا الطريق سار فيه المستشرقون، وحاولوا ما استطاعوا أن يقفوا بكلّ فكرة في الجوّ الصوفيّ عند مصدر أجنبي، ولقد ضلّوا وأضلّوا 

رابــعا : لقد فعل ذلك المستشرق ( ثولك ) فأعلن مجوسيّة التصوّف الإسلامي ثمّ عدل عن ذلك وأعلن إسلاميتّه .

         وفعل ذلك ( نيكولسن ) فأعلن إفلاطونيّة التصوّف الإسلاميّ ثمّ أعلن إسلاميتّه في جوهــــــــــــــــــره .

         وجارى الشرقيّون المستشرقين في الحديث عن مصادر التصوّف واختلفوا فيه جميعا لأنّ النقاش هو مشكلة وهميّة وسيستمر الخلاف، لأنّهم يعتبرون التصوّف هو ثمرة ثقافة كسبيّة فإنّه عندما يتأثر بالوسيلة التي أدّت إليه وهذا هو عين الخطأ في الفهم والتعبــــــــــــــــير .

خامــسا : إذا التصوّف ليس ثمرة لثقافة كسبيّة، وإنّما الوسيلة إليه هي العمل، والطريق إليه إنّما هو السلوك، والمعرفة الناشئة عن العمل والسلوك هي إلهام، وهي كشف،  وهي من الملاء الأعلى انعكس على مرآة البصيرة المجلوّة فتذوّقه الشخص حالا، وأحسّ به ذوقا، وأدركه إلهاما وكشفا، فكان كلّه هبة من الله لعبده، وهذا فيه سرّ الخصوصيّة من الله لمن يشاء من عباده الصالحين، ومن هذا الباب يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل من باب العلم الكشفي : ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء وسع كرسيّه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العليّ العظيم / البقرة آية / 255 ) .

سادســـا :

 أ: يقول الصالحون في هذا الباب : 

ناداهم داعي القرب إنّي معكم

                                 فأينما تولوا فثمّ نوري يجلى

         إنّ المدخل والمسلك للوصول لغاية القرب والمنى هو تربية القلب والسريرة والنفس وتطهيرها من الحظوظ والران والشكوك والظنون، ولا بدّ في هذا المقام من الارتقاء بها إلى عالم الصفاء والنقاء والطهر، والعامل الرئيسي في ذلك هو السلوك بطريق ذكر الله على مصطلح الأولياء الكمّل من المربين ممّن أقامهم الله للأخذ بأيدي العباد إلى معرفة الله سبحانه وتعالى في هذه الدار قبل تلك الدار ابتداء بالأوراد والأذكار وانتهاء بحسن الوصل مع من ليس كمثله شيء، حيث إنّ لكلّ بداية نهاية، فنهاية السالك هي الاستقرار ورفع الستور والحجب ( إياك نعبد وإيّاك نستعين* اهدنا الصراط المستقيم / الفاتحة آية / 5 ، 6 )، فعندها يطيب مناجاة الحبيب لمحبوبه فيهون عليه كلّ شيء من حطام الدنيا، ويفتح الله لقلبه نورا من وصله ليتمكّن من التلقي من العلوم الوهبيّة العالية رفيعة الشأن، تأخذ بالقلوب تارة، وتخرّ لها جبال العقول دكّا .

 ب: ويقول الأستاذ ( رينيه جينو ) الفيلسوف الفرنسيّ المعروف : ( إذا لا بدّ في التصوّف من شرط جوهري وهو - التأثير الروحي - أو بتعبير أدق البركة -  وهي لا تتأتى إلاّ بواسطة شيخ ومن هنا كانت الطــرق، ومن هنا كانت السلسلة، وهل السلسلة إلاّ بركات تنتقل من شيخ إلى مريد يوشك أن يصبح شيخا فيؤثّر بدوره في مريد أو مريدين ) وهو يعني بالبركة ( السرّ ) الذي ينتقل من الشيخ إلى المريد حينما تلتقي يد المريد بيد شيخه معاهدا إيّاه على الاستقامة .

سابــعا : 

 أ : إنّ الإمام ( الرازي ) يرى ضرورة الشيخ حيث يقول : ( من سلك الطريق، وعرف مراحلها ومنازلها، واطلع على متالفها ومعاطبها، أمكنه إرشاد غيره إلى سواء السبيل، والإخبار عن كيفيّة تلك الأحوال على التفصيل ) .

 ب : بهذا فإنّ مهمّة الشيخ تبقى مستمرّة إلى أن يرتبط السالك بالسماء  حتّى يشرف عليه الملاء الأعلى، ويحصل له التمكّن في المجال الروحيّ .

         وليس معنى ذلك انفصال المريد عن شيخه انفصالا تامّا، إنّما الشيخ رأى بنور الله ( فراسة المؤمن ) أنّ تلميذه قد قطع الطريق، وأصبح جديرا لإرشاد السالكين إلى معرفة الله  يأذن له بالإرشاد، فيشرق في العالم نور جديد، ويتألّق في سماء الروح كوكب مشرق، وتسعد الإنسانيّة بهاد إلى الله، ويغذّي التراث الروحيّ بإشراقات جديدة قريبة العهد من الله .

ثامــنا : إنّ التصوّف هو جامع لكلّ أمور الحياة من العمل والأخذ بالأسباب والسعي لكسب الرزق الحلال من الوظيفة والتجارة والزراعة والصناعة والحرفة مضافا لها الأمور التعبديّة من العبادات والذكر وقراءة القرآن والجهاد في سبيل الله بشقيّه الأصغر والأكــــبر .

         وهذا لا يمانع في أن يجمّل الصوفيّ ظاهره بالملابس الطيّبة ومن المأكل والمشرب ومتابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم فيما أمر ونهى، ويزيّن باطنه بنور التوحيد الناشيء عن ذكر الله سالكا على يد الأولياء الصالحين حتّى يحصل له القرب من الله ومشاهدة التوحيد باعتباره الغاية الجليلة العالية الشأن وهذا كلّه يجمعه بعد كتاب الله سبحانه وتعالى الحديث القدسيّ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه،   فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن  استعاذني لأعيذنّه ) رواه البخاري في صحيحه .

         إذا فالتصوّف هو منهج ووسيلة وطريق ومتابعة وامتثال واستماع الحكمة والأخذ بها من أي وعاء خرجت .

تاســـعا : وقفة وعــــبرة : 

         يقول الشيخ ( أحمد بن مصطفى بن عليوة ) رضي الله عنه معبرا عن التصوّف بقوله : ( التصوّف هو أن يرقى المرء بروحه إلى ما فوق مستوى ذاته )، وكذلك يقول ( الحجوري ) وهو أحد متصوفّي القرن الحادي عشر الذي عاش في لاهور نقلا عــــن ( فوشنجي ) الذي عاش في القرن العاشر أنّه قال : ( التصوف اليوم اسم بلا مسمّى، وكان من قبل مسمّى بلا اسم )،  ويضيف إلى ذلك ( الحجوري ) نفسه ( في زمن الصحابة والتابعين لم يوجد هذا الاسم، ولكن حقيقته كانت ماثلة في كلّ النّاس، أمّا الآن فالاسم موجود ولكن بلا حقيقة )، وإنّ حقيقة التصوّف تمتد جذورها إلى القدم فيرجع متخطيا فجر الإسلام إلى ما كان يقوم  به سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم أيّام ما قبل الإسلام في خلوته الروحيّة في غار حراء، وبهذا يصبح عليه الصلاة والسلام وقبل أن تأتيه الرسالة ممثّلا لكلّ ما تبقى من صوفيّة أجداده إبراهيم وإسماعيل، وبقي على حالته تلك حتى نزل عليه الوحيّ وكان يبلغ من العمر آنذاك أربعين عاما .

 أ : إنّ أوّل كلمة في القرآن تنزل على محمد صلّى الله عليه وسلّم كلمة : ( اقرأ )، والقرآن نفسه يعني الاستظهار أو القراءة، ومعنى نصّ مقدّس ينزل على صفوة أمّة لقراءته أن يكون فاتحة مذهب صوفّي معيّن، ذلك أنّ المرء يتعرّض عند تلاوة هذا الكتاب (القرآن )، لحالة من التغلغل الروحانيّ وهي تلك الحالة التي يحتوي فيها روح الله روح الإنسان وتتغلّب فيها الباقية على الفانية، وإذا ما شرع المرء في ممارسة هذه الحالة مدّة فإنّه يقترب بنفسه من طريق التصوّف، ولطالما سعى الصوفيّون إلى الانتفاع بحضرة اللامتناهى عزّ وجلّ في المتناهى وذلك بأن يغرقوا أنفسهم في آيات ( والآية معناها الحرفي - المعجزة - )، التنزيل، يقول الشيخ ( أحمد بن عليوه ) في إحدى قصائده مخاطبا الله عز وجل :  

أنت تعلم بحبّنا القرآن

                                 وكيف حلّ القلب واللسان
فامتزج بدمنا ولحمنا

                                  وبالعروق والعظام وما فينا

        وفي فقرات بعينها نجد أنّ وقع المادة القرآنيّة يكتسب اتجاها معيّنا بتكاثر المعنى.

 ب : تجد طريق الصوفيّة بأكمله، فالكثير من الآيات القرآنيّة لا يكون معناها محدودا إلاّ بقدر ما يكون فهم القارىء محدودا، فإذا فسّرت أسمى تفسير كانت بمثابة منافذ ينطلق من خلالها عنصر الخلود في الإنسان هربا من عناصر الفناء في النفس، فمعنى ما يقال عن التنزّه والسمو فمعناها يصدق بشكل اسميّ على الأسماء الإلهيّة ولا سيما لفظ الجلالة (الله )، إذ كان من أوّل ما أنزل على الرسول صلّى الله عليه وسلّم من أوامر أن : ( واذكر اسم ربّك وتبتل إليه تبتيلا / المزمل آية / 8 )، حيث إنّ لفظ الجلالــة ( الله ) ليتكرّر وروده في القرآن إلى درجة يمكن معها اعتباره السدّة الّتي تنسج عليها لحمة النصّ القرآنّي ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة / الأحزاب آية / 19 )، حيث تتعدّد معاني هذه الآية بتعدّد مستويات الإسلام، وكذلك ( واسجد واقترب / العلق آية / 19 )، ففريضة السجود وهو الغاية في محو الذات موجودة ضمنا في أحد أسماء محمّد وهو عبد الله  إذ بدون المحو التام للذات وهي العبوديّة يستحيل ( الاقتراب ) والّتي نوّهت عنه الآية الكريمة كذلك : ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد/  ق آية /16)،  وإدراك هذا القرب موجود ضمنا في اسم آخر من أسماء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو : ( حبيب الله )، ولننظر إلى الحديث القدسيّ الآتي حيث أنّ المقصود به المقام الأوّل وهو الرسول بالرغم من عموميّة هذا القول كذلك : ( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ) رواه البخاري في صحيحه، وإنّ المدار الكامل للصوفيّة كما تجلّت خلال العصور ليخلّصه هذا الحديـــــــث .

         لقد قال السيد ( المسيح ) عليه السلام في حديثه لأخلص أتباعه والوارد في كتاب ( القديس متى ) ما نصه : ( لأنّه قد أعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السّماء، أمّا أولئك فلم يعـــــط ) .

ج : نجد المؤمنين الوارد ذكرهم في القرآن الكريم يقسمون إلى فريقين : ( أحباب اليمين، والسابقون )، وإنّ السابقون وضعهم الحق بأنّهم المقرّبون : ( والسابقون السابقون*  أولئك المقرّبون / الواقعة آية / 10 ، 11 )، وهي الصفة التي تميّز كبار الملائكة عن الملائكة العاديّين .

         كما أنّ القرآن الكريم يصوّر الأبرار : ( إنّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا / الإنسان آية / 5 ، 6 )، والعبوديّة والقرب بحسب التفسير وجهان لدرجة عليا، ويمثّلان على التوالي الفناء في الله والبقاء الأبديّ فيه سبحانه وتعالى، فكما أنّ المسيح كان يخاطب الملأ بالأحاجي     كذلك تجد القرآن الكريم يعبّر عن أسرار عظمى مستخدما لغة الأمثال التي بفضل استتارها وإضمارها لا تؤذي المشاعر والتي تتسم مع ذلك بالمجابهة المفحمة، وكذا الحال في فهم أسماء الله الحسنى وبعض الأحاديث كالحديث القدسيّ الذي يقول : ( كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به )، والفرق في هذه الحالة فرق ما بين شخص يأخذ هذه الأقوال  مأخذ المجاز وشخص آخر توقظ فيه هذه الأقوال وعيّـــــــــا ( عموديّا )، ذلك الذي يسمّيه المتصوّفة ( بالذوق )، ليدلّ على إنّه يرتفع على المعرفة العقليّة غير مباشرة، إذ أنّه أي ( الذوق ) ليس إلاّ درجة من درجات ( المعرفة القلبيّة ).

         إنّ التطلّع إلى جعل الروح ( مركز الوعي ) تعلو على النفس يفترض سلفا على الأقل حصول الإحساس ولو الغامض بوجود القلب، الّذي هو النقطة التي تنتهي عندها النفس البشريّة وتبتدىء منها ( النفس المجرّدة أو المنزّهة )، فإذا بلغت الغيوم في ليل النفس درجة من الكثافة تمنع قمر القلب من إبداء أي دليل على وجوده، كان مثل هذا التطلع منعدما .

         نجد وكأنّ شبكة الرحمة الإلهيّة تتسع لتفسح مجالا في الدين الجديد لأولئك الذين لو وجدوا وقت أن قامت الجماعة الإسلاميّة الأولى لما كانوا أهلا لها، غير أنّ انتشار الإسلام في زمن بعثة الرسول صلّى الله عليه وسلّم  لم يقتصر على هذا الاتجاه وحده بل شمل كلّ الاتجاهات . 

 هـ : لقد تصدّى القرآن الكريم للإجابة على المسائل الّتي قد تنجم في أثناء فترة نزوله وبالرغم أنّ القرآن في الفترة المدنيّة تشغله أكثر فأكثر المسائل الخارجيّة التشريعيّة والإداريّة والسياسيّة، فإنّ آياته في ذات الوقت مفعمة بالسكينة والهدوء بدرجة أوضح من ذي قبل، ومن الأمثلة على ذلك تلك الآية الشائعة كثيرة الجريان على الألسن والتي يوصي القرآن بتلاوتها في أوقات الشدائد خاصّة آية : ( إنّا لله وإنّا إليه راجعون / البقرة آية / 156 )، حيث لهذه الآية طعم مدنيّ متميّز، حيث إنّ الآيات القرآنيّة الّتي تتوّج عقيدة العرفان الصوفيّة نزلت بعضها في المدينة .

 و: إنّ مرتبة الإسلام تبلورت في قيام المذاهب الأربعة ومرتبة الإيمان في نهضة علم الكلام وأصول الدين، كذلك نجد من جراء اجتهاد الجنيد وغيره من الصوفيّة رضي الله عنهم أنّ مرتبة الإحسان أصبحت أحد فروع الدين التي نظمّت على أسس واضحة وإنّ العبادة الواردة في تعريف الرسول للإحسان معناها : ( عبادة العبد )، وهي تدلّ أيضا على حالة دائمة ( من العبوديّة لله )، وهي ( أن تعبد الله كأنّك تــراه )، وهي تتضمّن ذكر الله على الدوام، ولحصول ذلك لا غنى عن صيغة للهداية الروحيّة، ومن هنا كانت نشأة الطرق الصوفيّة التي لولاها لما أتيح لمرتبة الإحسان أن تستمر عبر القـــــــــــــرون .

 ز : إنّ عجز المستشرقين أورثهم الخطأ وذلك لعدم إدراكهم منظور الحبّ في التصوّف الإسلاميّ، ولا ينفصل عن منظور المعرفة التي تسلم إلى السكر وتجلب الصحو وقد قال سيدنا ( الحسن البصري ) رضي الله عنه في ذلك : ( من عرف الله أحبّه ومن عرف الدنيا اجتنبها )، فالسكر يعكس رمزيّة النور الوارد ذكره كثيرا في القرآن الكريم الأمر الّذي تعمّر القلب بالفرح وتدع القارىء يتذوّق طعم الأسرار الأخرويّة، أمّا الصحو فيعكس البساطة المتناهية لبعض الصيغ والعبارات القرآنيّة، كما أنّ الأحاديث النبويّة تتصف بموضوعيّة واعية تضع كلّ شيء في نصابه وذلك مثل قوله عليه الصلاة والسلام : ( كن في الدنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل ) رواه الأمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه، والترمذي في ســـننه، وقوله عليه الصلاة والســـلام : ( مالي وللدنيا ما أنا والدنيّا إنّما مثلي ومثل الدنيّا كراكب ظلّ تحت شجرة ثمّ راح وتركها ) رواه الإمام أحمد في مسنده .

 ح : إنّ هذين الجانبين من جوانب الروحيّة الإسلاميّة يتبديّان في صور شتى من خلال الحضارة الإسلاميّة بأسرها وخاصّة في الفنّ الإسلاميّ، لأنّ الفنّ المقدّس هو تعبير عن الأسرار الإلهيّة لأنّه ينبع رأسا من أعمق أغوار الدين، وإليك نبذة توضيحية تتميما للفائدة، إنّ ( الفنّ الإسلاميّ ) فنّ تجريدي وهو شاعريّ لطيف، يجمع بين الغزارة الخلابة والقوّة المجرّدة النقيّة، وهذا نصادفه قبل ذلك في القرآن الكريم حيث يبدو وكأنّ خطوط هندسة الأفكار تكمن من وراء وهج الأشكال، والإسلام لكونه مأوى للوحدانيّة فيه أيضا صفة من بساطة الصحراء ونصاعتها وعرائها وتجرّدها إذا جاز التعبير .

 ط : إنّ الوليّ الكامل لم يخذل بحال من الأحوال أصول تلك الشجرة الّتي أثمرت عليها روحانيتّه، وكذلك ما نستشفه من كتاباته ومن روايات من عرفوه، لأنّ هاتين الصفتين تكمّل إحداهما الأخرى واللتان تستمدّان أصلهما من عينيّ (كافور، وتسنيم ) أي مــــن ( عبوديّة ) رسول الإسلام ( وقربه ) من الله سبحانه وتعالى .