New Page 1
New Page 1
صفحة الطريقة العلوية الدرقاوية على اليوتيوب
----------------
صفحة الشيخ الدكتور احمد الردايده على الفيس بوك
----------------
جمعية الشيخ العلاوي لاحياء التراث العلوي في المغرب
----------------
الطريقة الشاذلية على ويكيبيديا
----------------
صفحه الشيخ الدكتور احمد الردايده على قناه اليوتيوب
----------------
 
 
مؤلفات
أعلام في التراث الصوفي من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم

 

بسم الله الرحمن الرحـــيم
 
المقدّمـــة
       
         الحمد لله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحـد .
         الحمد لله، ذي العرش المجيد، المبديء، المعيد، الفعال لما يريد .
         هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكلّ شيء عليم .
         هو الأول بلا بداية، وهو الآخر بلا نهاية، وهو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، وهو الظاهر ليس فوقه شيء، وهو الباطن ليس دونه شيء، لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، ليس كمثله شيء، واحد في ذاته، ولا شريك له في صفاته، أو في أفعاله، أو في ملكه .
         أشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، شهادة عبد مؤمن بلقائه، راض بحكمه وقضائه، لا تحيط به الجهات، ولا تحصره الأرض ولا السّماوات، على العرش استوى كما قال بلا كيف يرسمه خيال، لأنّ التخيّل عن سابق مثال يستنسخ منه العقل، والعقل في هذا المقام عقال، لأنّ ميدان العقل محصور، بما يجتمع له من قنوات الحواس وهي محدودة، فيحكم على ما هو ضمن حدود سياج الحواس، ثمّ إنّ التحصيل شأنه متفاوت،يقول الله تعالى : ( وفوق كلّ ذي علم عليم / يوسف آية / 76 )، ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا / الإسراء آية / 85 ) ويقول الله تعالى لنقتدي: ( ربّنا أمنا بما أنزلت واتّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشّاهدين / الإسراء آية / 53 )،أمنّا بكتابك الذي أنزلت، ونبيّك الذي أرسلت، يقول الله تعالى: ( ويرى الّذين أوتوا العلم الّذي أنزل إليك من ربّك هو الحقّ ويهدي إلى صراط العزيز الحميد / سبأ آية / 6 )، ( وإنّك لتلّقى القرآن من لدن حكيم عليم / النمل آية / 6 )، ( فتعالى الله الملك الحقّ لا إله إلاّ هو ربّ العرش الكريم / المؤمنون آية / 116)، فالعرش ملكه، والخلق عباده، وهو الغنيّ عن العالمين، والكلّ مفتقر إليه، معتمد عليه في كلّ شيء، وهو تعالى المتفضّل بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، للكلّ رزّاق، سبحانه من حكيم خالق، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله، وصفيّه وحبيبه وخليله دعا إلى أمر ربّه، وقام به خير قيام، فهو بحقّ القدوة المثلى للأنام، على مدى الدهر وكلّ الأيام والأعوام، الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحقّ بالحقّ، والهادي إلى صراط الله المستقيم، اللّهم صلّي وسلّم وبارك عليه، وعلى آله الطيّبين، وصحابته الغرّ الميامين، وعلى أتباعه، وأنصاره، وسائر المحافظين على سنته، بإحسان إلى يوم الدين، واجعلنا من خيرتهم يا رب العالمين .
         إنّ لكلّ رسول أو نبيّ أثرا طيّبا يبقى نوّارة عبقة بالروائح العطرة ما دامت السماوات والأرض، وكذلك كلّ من سار على نهجه، ابتداء بصحابته الكرام، وبالعلماء والأئمة المشرعين، وانتهاء بأهل التحقيق من الأولياء الصالحين الّذين يجدّدون للأمّة، ويعيدوا لأذهان الناس ما غاب عنهم من تعاليم القرآن والسنّة النبويّة الشريفة، وهذا يعتبر نوعا من أنواع الجهاد، الّذي تتخلّله المشاقّ والعقبات، ولكنّ التوفيق والحفظ والعناية الإلهيّة كفيلة بالمساعدة، والأخذ بيد كلّ من كانت هجرته، وعمله خالصا لوجه اللهتعالى، إنّه وبحقّ يعتبر سيّدنا أبو الحسن الشاذليّ من السابقين، الّذين سلكوا مسلك الهداية والصلاح من تابع التابعين، وإنّ من حسن سيرته ما هو غني عن التعريف، وكلّ أقواله، وأفعاله، وتصرّفاته، وأحواله تدلّ على علو مرتبته الّتي خصّه الله بها، فهو قمّة الهرم من الأولياء من تابع التابعين .
         إنّ العرق البشريّ الحسيّ دسّاس، وله نزعة تظهر في الأجيال القادمة من ذريّة الإنسان،ولو بعد مئات السنين، وكذلك عرق الهدى والصلاح فإنّه دسّاس أيضا، وله ظهور أقوى من ظهور العرق الحسيّ الطينيّ، ولقد ورد في القرآن الكريم الكثير من الأمثال، يقول الله تعالى :( وأمّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا / الكهف آية / 82 )،ولقد ورد عن بعض المفسّرين بأنّ هذا الأب كان سابع جدّ لهما، وقد أكرمهم الله ببركة ذاك الجدّ الصالح، وهنا لا بدّ من وقفة تأمّل في قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم عندما ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى دين الإسلام، وما كان من شأنه معهم، وعندما كان خارج الطائف، وأرسل الله له سيّدنا جبريل، ومعه ملك الجبال، وكان معهما إذن من الله مرهونة بإرادة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالقول له : ( إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : بل أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ) رواه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه، والترمذي في سننه، فكان من ذريتهم سيّدنا محمد بن القاسم الثقفي رضي الله عنه، ذلك الشاب اليافع الّذي فتح الله على يديه بلاد الهند والسند، وهذا من باب الإشارة فيه استمراريّة للولاية والصلاح في الأمّة المحمديّة ما دامت السّماوات والأرض .  
         أليس هذا كنز من الله لا يفنى ؟، فكان وعدا من الله تعالى أن يحفظ الولاية وأهلها، وسيرتهم على مدار عمر الكون .
         لقد أظهر الله نورا، ومثلهالكثير من الأولياء فيما بعد، ولكن الاختصار مطلوب لأنّ المجال واسع جدّا، ويحتاج إلى مجلدات من البحث والتدقيق، وتيمّنا للفائدة المرجوة كان الاختصار من حيث الشرح، ومن حيث عدد الأولياء مدار البحث في هذا الكتاب، وما تمّ كتابته ما هو إلاّ رشحات من آثارهم العطرة، لأنّ من بذل كلّ حياته، وأفنى زهرة شبابه، وكذلك شيخوخته دفاعا عن دين الله، والدعوة إليه، فأقلّ شيء أن تهبه إليه اعترافا بالجميل هو أن تخلّد شيئا من ذكره، وسيرته العطرة، ولو بالشيء القليل، والحقيقة هم أعظم وأعلى مرتبة من ذلك بكثير، ولكن للكاتب، أو الباحث ما نوّر الله به قلبه وروحه وسريرته .
         إنّ أهل الميراث المحمدي من أهل الولاية الكاملة لهم شأن عند الله عالي المقام، وأقلّ إنصافا لهم هو أن تكتب في سيرتهم وآثارهم، حتّى تبقى بها الحياة سارية، وتنتفع بمطالعتها، وتغرف من نبعها الأجيال المؤمنة الصالحة، لتتّخذها أنموذجا، ومنهاج سلوك في حياتهم من قول وعمل .
         لقد وفقني الله تعالى أن أبحث في سيرة بعض الأولياء الكمّل من أهل الطريقـــة ( العلويّة الدرقاويّة الشاذليّة ) رحمة الله عليهم أجمعين، وقدّس الله أسرارهم بأنوارهم، حيث تناولت سيرة ممّن عاشوا منهم على فترات متباينة، سواء قرب الزمن أو بعد ما بينهم، كما لا يفوتني أن أشيد بتعظيم حرمة من لم يتمّ ذكره من أهل التربية من أهل هذه السلسلة رضوان الله عليهم، حيث يعتبر جلّهم من الأعلام في طريق أهل الله، والدعوة والدلالة عليه، والذين مدار بحثنا عليهم هم :  
         1. سيّدنا الإمام أبو الحسن الشاذليّ .
         2. سيّدنا الشيخ محمّد العربيّ الدرقاويّ .
         3. سيّدنا الشيخ الحاج مصطفى عبد السلام الفيلاليّ .
         ولقد أسميت هذا الكتاب : ( أعلام في التراث الصوفّي من آل بيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم )، وتم تقسيم هذا الكتاب إلى ثلاثة أبواب، وأفردنا لكلّ واحد منهم بابا يتضمن عدة فصول، وفيه شرح موجز مع بعض التفصيل وحسبما يقتضيه الحال، وتناولنا عدّة نواحي من مناحي حياتهم ومنهجهم ومناقبهم، وكلّها في مجملها تعتبر دعوة صادقة يتخللها الصدق والإخلاص لكلّ من كان له عقل يفكر أن يفيق من غفلته ويعود سريعا إلى الصراط السويّ، وأن يجدّد التوبة والإنابة قبل أن يغرغر حيث لا ينفع الندم، علّ الله أن يوفقه ليكون له شيء من شرابهم الجماليّ البديع، فعندها يأخذه الندم على ما فاته من الأيام والسنين التي مرّت كطيف الخيال، دون أن يحقق فيها شيئا كثيرا من التقرّب إلى الله، وإصلاح شأنه معه .
         لقد أوردنا في هذا جواهر كثيرة نادرة من سيرة من نحن نسطر بعض آثارهم،      كما وأفردنا لهم بعض الصفات التي قلّما يتحلى بها سواد الناس، حيث أنّ فضل الله يؤتيه من يشاء، يقول الله تعالى :( والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم / البقرة آية / 105) . 
         إنّ ما يجلب انتباه القاريء تلك الحالات التي تسكن بواطنهم، حتّى كانت ظلاّ حقيقيّا بالنسبة لهم، ورجاء بالنسبة إلى غيرهم، فسيرة الصالحين عطرة كلّها، ومنهج هداية، وتجديد عهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، للسير على هديه وشريعته السمحاء، ودعوته للناس، وحثّهم على الإقتداء بذلك، معلنين إعادة الشمائل المحمديّة، وتذكير المخلوقات بها من : ( عبادة، ومعاملة، وذكر وتسبيح، وسلوك ومنهج حياة، وتلاوة القرآن الكريم )، حتّى يهتدي السائرون بنهجهم، وينهلوا من ذلك المعين العذب، ليخرجوا من الوحل والطين إلى مقام الأنس والمناجاة لمن خلقهم وأحسن صورهم .
         لقد أصدرت كتابا مستقلا وشاملا لواحد، ومن القمّة والمجدّدين ( للطريقة العلوية الدرقاويّة الشاذليّة )، في عصرنا الحاضر، وهو المرشد، والمربي الكبير، الدال على الله بالله، الشيخ ( أحمد بن مصطفى بن عليوة / العلوي ) ولقد أسميــــــــته ( صفحات مطويّة في التصوّف الإسلاميّ )،وهو يبحث في مناقب وصفات وحياة هذا العالم والولي الكبير، رحمه الله رحمة واسعة تليق بجلاله وكرمه، آمين يا ربّ العالمين  
         إنّ الذي يقرأ سيرتهم، يستشعر حقيقة بأنّه يطالع آثارا خالدة عظيمة، لرجال أدوا دورهم في الحياة على أكمل وجه قبل أن يلتحقوا بالرفيق الأعلى راضين مرضيّن، لأنّهم أفنوا أعمارهم كلّها مدافعين ومنافحين عن دين الله، والدعوة الصادقة لمعرفته، فلقد أدوا رسالتهم الإرثيّة، محتسبين بذلك وجه الله تعالى، بعيدين عن طلب الجاه والسلطان، والمغنم، وتشدّ سيرتهم القاريء، لأنّه يجد كثيرا من الصفات المنقولة عن الصحابة والتابعين وتابع التابعين في صدر الإسلام الأول، والّذين تحلّوا بها أصلا، فيهنأ لهم العيش أيام عمرهم المحدودة، مشتغلين بالتسبيح، والذكر على الدوام، فهم حقيقة خير خلف لخير سلف، يقول الله تعالى :( كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله / آل عمران آية / 110 ) .
         لقد بدأنا هذا الكتاب بنبذة موجزة عن التصوّف في الإسلام، حتّى لا يقع الجاهل في الغائلة، والطعن في أعراض وسلوك أهل الذكر، عن جهل أو عدم بصيرة، فيحصل لا سمح الله له الهلاك، لأنّه من عادى وليّا فقد أعلن الحرب على الله تعالى، ومن حارب الله قلّت سلامته، نسأل الله السلامة آمـين .
         لقد أفردنا في :الباب الرابع، وهو :  خاتمة واعتراف، ففيه من الفائدة بمكان، من باب تقريب، وقياس السلوكيّات، والمناقب، والأحوال التي كانوا يتمتعون بها، حتّى تعطي تاريخ الأولياء بهجة، كلّها رونقا وجمالا، تجديدا لتلّونات العلوم التوحيديّة السنيّة، ذات الشأن العالي، المرتبطة ارتباطا وثيقا بالقرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة، وذلك تعبيرا وإشارة ذات ألوان نورانيّة، متشكلة تؤتي ثمارها في كلّ زمان بما يليق بأهله من مفهوم وإدراك، فهم بمثابة الأزهار العابقة بشذاها، عطرها في الآكام، يقول الله تعالى :( تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها / إبراهــيم آيـــة /25 ) .
         إنّ الكتابة، والتنقيح، والاختصار، والتبويب أمر غاية في الصعوبة، ويتحمّل الإنسان مشقات كثيرة، ويجد من الأكدار، والقواطع، وقلّة المصادر ما فيه الكفاية، وأكثر من أن توصف،ولكنّ الهجرة إلى الله، وبفضله، وحسن التوكل عليه، تورث للإنسان الجهد الدءوب، الّذي لا يعرف الكلل، أو الملل، أو القنوط، بالرغم من أنّ نواحي التحدّي كبيرة جدّا .
         إنّه بالرغم من أنّني لست من فرسان هذا الميدان،لكنّي أتطفّل على إرثهم، وبعون الله، وحسن توفيقه، فقد أعانني الله على ذلك، وأخذ بيدي، وأسعفني بأهل الخير الّذين طوّقوا عنقي بفضل كبير، وآزروني قولا وعملا وحالا، وواكبوا المسيرة محتسبين لوجه الله تعالى، في سبيل إخراج درّرا يتيمة طواها الزمن، وكادت أن تكون طيّ النسيان، ولكنّ نور الله لا ينطفيء أبدا ما دامت السماوات والأرض، وأخصّ منهم بالذكر الجميل والثناء الحسن : سيدي وأخي في الله الّذي أحمل له في قلبي كلّ ود وتقدير، صاحب الموقف الجميل، والنخوة التي يتمتع بها الأولياء الكمّل، العالم بالله، خليفة شيخي، وأستاذي، وهو سيّدي : ( الشيخ محمد مصطفى عبد السلام الفيلالي / أبو مصطفى )،حيث قدّم لي جهدا كبيرا، وأسعفني بالكثير من مناقب وصفات قرّة العين، المرحوم والده، الّذي يعتبر بحقّ المربّي المقدام، المفضال، شيخ الجميع، المشهور بتلقين الاسم المفرد: ( الله )،الآخذ بيد العباد إلى معرفة الله تعالى، أمطر الله على روحه، وقبره الشريف الرحمات الواسعة، وجزى الله الجميع عن الإسلام والمسلمين كلّ خير آمين .

         لقد تمّ طباعة هذا الكتاب من قبل : دار الكتب العلميّة في بيروت، ودار الكتاب الثقافي في إربد، ويقع في ( 592 ) خمسمائة واثنين وتسعين صفحة من القطع الكبيرة.