New Page 1
New Page 1
صفحة الطريقة العلوية الدرقاوية على اليوتيوب
----------------
صفحة الشيخ الدكتور احمد الردايده على الفيس بوك
----------------
جمعية الشيخ العلاوي لاحياء التراث العلوي في المغرب
----------------
الطريقة الشاذلية على ويكيبيديا
----------------
صفحه الشيخ الدكتور احمد الردايده على قناه اليوتيوب
----------------
 
 
مؤلفات
حوار المسلمين مع اتباع الاديان (جديد)

 

 

 
 
 بسم الله الرحمن الرحــيم
 
الإهــداء

أهدي هذا الكتاب
* : إلى كلّ مسترشد، وباحث عن الحقيقة للوقوف على الأمر بناحية بيّنة لا لبس فيها ولا ريب، بعيدا عن التخمين والتشكيك، فالشمس لا تغطّى باليد ولا بأيّ شيء آخر .
* : إلى كلّ من له فكر ثاقب، يستشف به نورانيّة الأشياء وجوهرها، بعيدا عن المظاهر الحسيّة الّتي تدخل تحت دائرة التكييف حسّا ومشاهدة، فالأديان السماويّة كلّها من عند الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، وكلّها تدعو المخلوقات من بني البشر قاطبة إلى توحيد الله تعالى، وتنزيهه عن الندّ، والشريك، والمثيل، وهذه هي حقيقة الرسالات للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام على مرّ التاريخ البشريّ .
* : إلى كلّ طالب للمعرفة اليقينيّة بحوار وتقارب الأديان، وما هو القاسم المشترك بينها، لأنّ الموضوع دقيق وحسّاس، وخاصّة إذا استعمل الإنسان عقله بتفكير عميق ونظرة ثاقبة، فعندها تذهله الحقيقة البائنة الّتي تتجلّى أمامه، فينظر ما هي شروط العلاقة القائمة ما بينه وبين ربّه بخاصّة الخاصّة، وبينه وبين نفسه بخاصّة، وبينه وبين الناس بعامّة، فيجد ذلك الأمر هو المنهل المعين الّذي يدلّه لماذا خلقه الله تعالى، وما هي الغاية من ذلك ؟ .
* : إلى كلّ أهل الكتب السماويّة المنزلة، والّتي بمجملها تدعو إلى توحيد الله تعالى، وعبادته، وعمل الخير، وإحقاق الحقّ، وترك الباطل، بأنّه آن الأوان لتجتمع على شهادة التوحيد لله الخالق المبدع المصوّر، وهي الفطرة الربّانيّة الّتي فطر الناس عليها، ولا تبديل لأمر الله تعالى .   
 


                                  المؤلّف
                                    الحاج أحمد حسن شحاده الردايده
 
بسم الله الرحمن الرحــيم
كلمة شكر، ووفاء

 


إنّني أثبت في هذا المقام
* : كلمة شكر ووفاء بخاصّة أزجيها لأستاذي الجليل المرحوم الشيخ الشريف السنّيّ الحسنيّ، العارف بالله الكبير، الواصل الموصل بالله تعالى، صاحب الفراسة والقريحة الوقّادة، الدّال على الله بالله، الحاج مصطفى عبد السلام الفيلاليّ رضي الله عنه، ورحمه برحمته الواسعة، وإلى كافّة أشياخه، وإلى أهل السلسلة الطيّبة المباركة من أهل الطريقة العلويّة الدرقاويّة الشاذليّة أجمعين، أمطر الله تعالى على أرواحهم سحائب الرحمة والمغفرة آمين .
* : إلى أهل ذكر الله تعالى في كلّ بقاع الأرض على اختلاف مشاربهم وطرائقهم وأحوالهم، راجيا الله تعالى أن يلهم الجميع الرشد والسداد في الرأي، مطابقا لما جاء به القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة، إنّه سميع مجيب .
* : إلى روح والديّ رحمهما الله تعالى، لما لهما من فضل كبير عليّ بخاصّة، وعلى كلّ أبنائهم وبناتهم بعامّة، راجيا الله تعالى أن يسكنهما الفردوس الأعلى في مقعد صدق عند مليك مقتدر مع النبيّين، والصديّقين، والشهداء، والصالحين، وكذلك لزوجتي، وأولادي، وبناتي، وأزواجهم، وأولادهم، وبناتهم جميعا، راجيا الله تعالى أن يحفظهم بحفظه، ويوفّقهم لما يحبّه ويرضاه ولما فيه خيرهم آمين .
* : إلى كلّ من ساعد في إخراج هذه الدرّة المضيئة الّتي كلّها نور سواء معنويّا أو غير ذلك، حيث أنّها تعتبر من الإرث الثمين، والّذي يرضاه الله تعالى، فهو ربّ المخلوقات أجمعين، والآمر لهم بتوحيده، وعدم الإشراك به.
* : إلى كلّ من أسهم في نشر حلقات مختصرة من هذا الكتاب في بعض الصحف، وبخاصّة صحيفتيّ الدستور اليوميّة الأردنيّة، واللواء الأسبوعيّة الأردنيّة، والمجلّات الثقافيّة والدينيّة والعلميّة في المملكة الأردنيّة الهاشميّة وخارجها، وإلى من ساهم بتنقيح اللغة العربيّة لهذا الكتاب، متمنّيا من الله تعالى لهم التوفيق لما فيه الخير والبركة .                        المؤلّــف
                           الحاج أحمد حسن شحاده الردايده
                               خادم، وشيخ الطريقة العلويّة الدرقاويّة الشاذليّة
                            المملكة الأردنيّة الهاشميّة
                              إربد ص . ب (1593 )
                                      تلفاكس ( 7314018 / 2 / 00962 )
                                 البريد الألكتروني  radaideh15@hotmail.com
                               الموقع الألكترونـي   www.radaideh.com                                                    
                                 الفيس بوك  www.facebook.com / ahmad.radaideh
                        اليوتيوب www.fbread.com/search/tags/ درقاويّة
                               اليوتيوب  www.youtube.com/user/alawidarqawi
 
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحــيم
المقدّمـة
        
الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا محمّد، أحمد الفعّال، والأسوة الحسنة على كلّ حال، والرحمة المهداة الّذي كان وفيّا لأنبياء الله تعالى ورسله، وهو يبلّغ القرآن الكريم إلى البشريّة حتّى آخر الزمان، ورادّا مقالة السوء عن المصطفين الأخيار، وكاشفا عن أقدارهم في أقوامهم منذ اصطفاهم مولاهم، وأرسلهم مبشّرين ومنذرين في إعصارهم، بعد أن دعا الخليل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يرفعان القواعد من البيت الحرام .
         يقول الله تعالى : ( ربّنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيّتنا أمّة مّسلمة لّك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنّك أنت التوّاب الرّحيم * ربّنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم إنّك أنت العزيز الحكيم / البقرة آية / 128 ، 129 ) .
         لقد أرسل الله تعالى أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام إلى الأمم، وعبر التاريخ يبشّرون، وينذرون، ويدعون جميعا إلى عبادة الواحد الأحد، الفرد الصمد، الّذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحـد .
         يقول الله تعالى : ( إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنّبيّن من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيّوب ويونس وهارون وسليمان وأتينا داود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلّم الله موسى تكليما * رسلا مبشّرين ومنذرين لئلّا يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرّسل وكان الله عزيزا حكيما / النساء آية / من 163  -  165 ) .  
         إنّ موسى عليه السلام هو نبيّ الله، وقد أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل، بعد أن تربّى في بيت فرعون، ليخرجهم وينقذهم من ظلم فرعون وملئه، ومجمل قصّته أنّ أمّه ألقته في اليم، ولكنّ الله تعالى نجّاه بأن أخذته امرأة فرعون، ثمّ بعد أن كبر قتل مصريّا انتصارا لرجل من قومه وهم بني إسرائيل، وشاع الخبر، وأراد فرعون قتله، فهرب موسى عليه السلام، وسكن أرض مدين، وتزوّج ابنة شعيب بن صفورة عليه السلام بعد قصّة استسقاء لها ولأختها، وبعد أن قضى أجلا خرج بأهله، ظهرت له نار من شجرة تشتعل، وخاطبه الله تعالى، وأمره أن يذهب إلى فرعون، وأن يخرج بني إسرائيل من أرض مصر .
         يقول الله تعالى : ( أن اقذفيه في التّابوت فاقذفيه في اليمّ فليقه اليمّ بالسّاحل يأخذه عدوّ لّي وعدوّ لّه وألقيت عليك محبّة مّنّي ولتصنع على عيني / طه آية / 39 ) .
         يقول الله تعالى : ( ودخل المدينة على حين غفلة مّن أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوّه فاستغاثه الّذي من شيعته على الّذي من عدوّه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشّيطان إنّه عدوّ مّضلّ مّبين / القصص آية / 15 ) . 
         يقول الله تعالى : ( ولمّا ورد ماء مدين وجد عليه أمّة مّن النّاس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتّى يصدر الرّعاء وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثمّ تولّى إلى الظّلّ فقال ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير * فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلمّا جاءه وقصّ عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظّالميـن * قالت إحداهما يا أبت استأجره إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين * قال إنّي أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشقّ عليك ستجدني إن شاء الله من الصّالحين / القصص آية / من 23  -  27 ) .
         وأنزل الله تعالى على موسى عليه السلام التوراة، فكانت الديانة اليهوديّة، تقول التوراة في أسـفارها : إنّ موسى عندما رأى النار ظهر له ملاك، وسأل موسى الملاك عن اسم الله، فقال له الملاك : أنّ اسم الله هو يهود، إله إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومن أسمائه : آهيا، والوهيم، وكلّ هذه الأسماء تعني معنى وصفات الله تعالى القادر الكافي .
         يقول الله تعالى : ( قال يا موسى إنّي اصطفيتك على النّاس برسالتي وبكلامي فخذ ما أتيتك بقوّة وكن مّن الشّاكرين / الأعراف آية / 144 ) .
         يقول الله تعالى : ( فلمّا قضى موسى الأجل وسار بأهله أنس من جانب الطّور نارا قال لأهله امكثوا إنّي أنست نارا لّعلّي أتيكم منها بخبر أو جذوة مّن النّار لعلّكم تصطلون / القصص آية / 29 ) 
         يقول الله تعالى : ( فلمّا أتاها نودي من شاطيء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشّجرة أن يا موسى إنّي أنا الله ربّ العالمين / القصص آية / 30 ) .
         ولمّا كانت الديانات اليهوديّة قد تركت لليهود الحبل على غاربه، وتغلّبت الماديّات على عقولهم وغيّرت قلوبهم، كان لا بدّ من دين يخاطب الضمير، ويتناجى مع الوجدان، ويناجي الروح، ويتسلّل إلى النفس فيطهّرها ويمحو ما ران عليها من زيف، ويزيل ما ألمّ بها من غشاوة، لذا كانت المسيحيّة خالية من الماديّة إلاّ شذرات أوحت بها للضرورة، فقد كان جلّ توجيهها لفت النظر إلى السماء، حيث لا تغني المجسّمات المحسوسة عن الغبطة بالتأمّل في ذلك الكمال الأبديّ المطلق في الاتّجاه إلى الله تعالى، حيث تجد النفس في هذا الاتّجاه السعادة الكبرى، والراحة الّتي لا يشوبها الملل، أو يعيبها القلق على المستقبل، بل يكون الإيمان بما هو آت، وما مضى .
         يقول الله تعالى : ( ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة وإنّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار وإنّ منها لما يشّقّق فيخرج منه الماء وإنّ منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عمّا تعملون / البقرة آية / 74 ) .
         وبهذا يكون طبيعيّا أن يطلب الإنسان طرق الهداية حسب فطرته وخلقته الّتي فطر عليها، ويستمع لنداء السماء، يقول الله تعالى : ( وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون / الذاريات آية / 56 )، ويجعل تلك العبادة خالصة لوجه الله تعالى لا يشرك بها مال، وذلك حسب قول المسيح عليه السلام : لا يجوز لرجل أن يخدم سيّدين، إمّا أن يخدم الله، أو يخدم المال .
         لذا كانت المسيحيّة لا تدعو إلى التوحيد والتنزيه من الشرك فحسب، بل صوّرت الله تعالى على أنّه المعشوق الأسمى الّذي يتّجه إليه وجدان كلّ حيّ، فيتلاشى من قلب الإنسان ما عمر به من طقوس وشعائر وثنيّة، ويتبدّل قلبه إلى عامر بحبّ الله تعالى الّذي لا يعبد سواه، وهو القادر على تحريك القلب، فالقلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبه كيفما يشاء .  
أوّلا : بعض المقتطفات من أقوال، وأفعال العلماء، وكذلك مشايخ ووارثيّ الطريقة العلويّة الدرقاويّة الشاذليّة في الدعوة، والمشاركة في الحوار مع أتباع الأديان
* : يقول الشيخ خالد بن تونس، في كتابه التصوّف الإرث المشترك الصفحة 229، والبعض منها نقلا عن مجلّة المرشد، الّتي كان يصدرها الشيخ عدّة بن تونس، خليفة الشيخ أحمد بن مصطفى بن عليوة / العلويّ رضي الله عنهم، نقتبس منه 
-  لقد ساهم الشيخ عدّة بن تونس رضي الله عنه مساهمة كبيرة في ضمان المحافظة والاعتزاز بالتراث الروحيّ والثقافيّ لبلاد المغرب والمشرق، في الوقت الّذي كان يوجّه نظره صوب بلاد الغرب والعالم أجمع .  
         إنّ في المقالات الفرنسيّة الّتي كان يمليها على مريديه الّذين يجيدون اللغتين معا، وبالأسلوب ذاته في الوضوح والحجاج الّذي يعتريه الكثير من البيان، كان يتناول بالتفصيل الشعائر والاحتفالات والمرسلين بإدراجهم في القلوب والأعمال، كما كان يشرح تعاليم الصوفيّة ( روح الإسلام ) ويحدّد طبيعة المعلّم ودوره ( المريد الّذي يهديه الله ليهتدي إلى سبيله تاركا ذاته، ذلك المرشد الّذي لا يميّز بين عرق، أو دين بل يحبّ الله في جميع رسله وجميع مخلوقاته ) .
         فالعلاقة الأوليّة هي علاقة محبّة ( تحقيق معرفة الله يعني تحمّل العبء، والمسؤوليّة، وقبول الغير ومساعدتهم ) .
         وإدراكا منه لجسامة صراع عالميّ محدق، عكف الشيخ عدّة رضي الله عنه على تحقيق التقارب بين البشر، رغم ما اكتنفه الأمر من خطر على حالته الصحيّة، فقد حثّ على التفاهم بين الأديان من خلال شرح أسباب تأسيسه لجمعيّة أحباب الإسلام ونظامها الأساسيّ، والدعوة إلى تحقيق أخوّة عالميّة من خلال كلمة له ألقاها أمام المؤتمر العالميّ الروحيّ الأوّل المنعقد في بروكسل سنة ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين ميلاديّة .
         إنّ جمعيّة أحباب الإسلام تضمّ عددا من الأشخاص من جميع شرائح المجتمع، الّذين يأسفون لحالة اللامبالاة والجهل المتفشّية في العالم، لذا قرّروا البحث في معرفة الحقيقة، والأمر لا يتعلّق بحقيقة مسألة معيّنة بل الحقيقة الإلهيّة الّتي تحكم الكون، الحقيقة الّتي تسعى الحضارة الماديّة إلى طمسها، قد تبدو مهمّة عسيرة لكنّها ممكنة الحدوث، هنا يجتمع أولئك الّذين أهلكتهم الظنون في البحث عن الحياة بكلّ قوّة ويقين، ليس للجمعيّة ما تخفيه، فهي لا تضلّ أحدا، ولا تحارب أي عقيدة أو مذهب، إنّها لا تضرّ بالعقائد الأخرى في شيء، فهي تخدم الحقيقة فقط، والحقيقة عندها هي الله تعالى .
         بعد الحربين العالميّتين اللّتين أسفرتا في أقلّ من ربع قرن من الزمن عن معاداة الشعوب لبعضها البعض، إلى حدّ أصبح معه الجنس البشريّ مهدّدا في بقائه، رأى الشيخ عدّة رضي الله عنه في إعادة إرساء التسامح والاحترام المتبادلين من خلال حوار موسّع ضرورة ملحّة وعاجلة .
         تعدّ هذه الدعوة إلى السلام بين الشعوب والأديان، بل والتآلف بين القلوب أيضا، ردّا على تعطّش حقيقيّ للناس، مهما كانت خلفيّاتهم، وهي الدعوة الّتي استقطبت شخصيّات جزائريّة وأوروبيّة من مختلف المشارب، وجعلتها توافق على رعاية المشروع، والمشاركة في الجمعيّة المسكوبيّة الدوليّة الجديدة : أحباب الإسلام، ولقد تولّى الشيخ عدّة رضي الله عنه رئاستها، وكان الدكتور مارسيل كاري ( طبيب وصديق شخصي للشيخ العلوي )، رئيسا فخريّا لها .
         لقد نظّمت الجمعيّة داخل قاعة عموميّة في المدينة لقاءات مفتوحة للجميع، لكي يوطّدوا علاقاتهم، ولو للحظة من أجل تعزيز أواصر الصداقة والأخوّة، يقول الشيخ عدّة في ذلك : أحباب الإسلام هي نقطة التقاء تجمع القلوب في محبّة الله ومحبّة المرسلين أجمعين، وفي احترام العقائد والفلسفات جميعها، انتهى الاقتباس    
* : يقول الشيخ خالد بن تونس رضي الله عنه، في كتابه التصوف الإرث المشترك، صفحــــــة 229، 230، والبعض منها نقلا عن مجلّة المرشد، نقتبس منه 
-  لقد تمّ تقديم الرابطة الجديدة لأوّل مرّة في مستغانم خلال الاحتفال المنعقد سنة ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين ميلاديّة، ورغم أنّ الأمر قد يبدو بديهيّا اليوم، إلاّ أنّه كان آنذاك على درجة من الجدّة تطلّبت من كلّ المنخرطين التحلّي بانفتاح وثقة استثنائيّتين، ويقول المقدّم السيّد عبد القادر بلباي رضي الله عنه : أرسلني الشيخ الحاج عدّة لحجز القاعة المتواجدة في الفندق الكبير الّذي يعود لأحد اليهود، ولمّا لم يكن باستطاعة صاحب الفندق أن يرفض ضاعف من مبلغ الحجز حتّى يوهن عزمنا، ثار غضبي وعدت إلى الشيخ، لكنّ هذا الأخير أمرني بالرجوع فورا لحجز القاعة بالمبلغ المطلوب، وكان اللقاء قد استحثّ فضول صاحب الفندق، فتسلّل خلسة إلى القاعة للاستماع إلى كلمة الشيخ عدّة، وعند الفروغ منها، قصد الشيخ وعيناه مغرورقتان بالدموع، وقال : أنا أعتذر عمّا بدر منّي، سأعيد لك المبلغ، لأنّك جعلتني أكتشف موسى من جديد، أمّا عن القاعة فستكون من الآن فصاعدا تحت تصرّفاتكم مجّانا .
-  انعقدت الاجتماعات الأولى سنة ألف وتسعمائة وثمان وأربعين ميلاديّة في النادي السياحيّ بوهران، وفي قاعة الفندق الكبير بمستغانم، وقد لقيت نجاحا فوريّا في الأوساط الفرنسيّة، والأوروبيّة غير المسلمة بالجزائر، إذ تميّزت بوعي حقيقيّ بالأخوّة .
-  وقد انعقدت دورات أخرى ناجحة في مدن جزائريّة أصبح بعدها العديد من الأوروبيّين من المثقّفين، والأطبّاء، والكتّاب، والصحفيّين، مريدين للشيخ رضي الله عنه أو أحبابا له، وقد انتشر أحباب الإسلام في كلّ من المغرب، والسنغال، وبروكسل، وباريس، وجنوب أفريقيا الغربيّ .
-  لقد دعا إدوارد مونتي عميد جامعة جنيف إلى العمل في هذا المشروع المفيد، نقتبس منه : بصفتي مسيحيّا أحتجّ باسم عقيدتي الدينيّة، على ما أسميته المساس بشرف دين محترم، فلنعمل معا من أجل تنفيذ هذا المشروع النافع والمفيد للجميع، ليس فقط في العيش في سلام مع المسلمين، ولكن لنتقرّب منهم ونستحثّ فيهم رغبة التقرّب منّا، لطالما سعينا على توسيع الهوّة بين الإسلام والمسيحيّة في أوروبة، هوّة لا مكان لها بيننا، فلنجسّر هذه الهوّات من خلال التخلّي عن الأفكار السابقة السائدة، وعن كلّ الأكاذيب الواردة عن الإسلام، صحيح أنّ تأثير مجموعتنا الصغيرة هذه لن يغيّر وجه العالم، لكن إذا تضافرت جهودنا فإنّنا سنتوصّل إلى التغيير التدريجيّ في الرأي العام الّذي يفتقر إلى التنوير الكافي، فنعدّ له حتّى يتمكّن يوما ما أن يقرّ بقناعتنا الّتي نعربها في كلمتين : فلنحترم الإسلام، انتهى قول عميد الجامعة .
-  ساور القلق بعض المسيحيّين، فسألوا الشيخ عدّة بن تونس رضي الله عنه : أنت تريد أن تجعلنا مسـلمين ؟ .
الجواب : لا، يا إخوتي أودّ بصدق أن أجعلكم أحبابا للإسلام، أودّ بمشيئة الله أن تكونوا أتباعا حقيقيّين للمسيح عيسى عليه السلام، أن تتّبعوه في أقواله وأفعاله، إنّ القرآن الكريم، والرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم قد دعاني إلى التسامح، ومحبّة المسيح عيسى، والنّبيّ موسى، وجميع أنبياء الله ورسله، هذا ما جعلني أكتشف عالميّة مهمّتها .    
         وإنّنا على يقين أنّه لو اتّبع إخواننا تعاليم دينهم بحذافيرها لتوصّلوا دونما شكّ إلى الله، أي إلى معرفته، ولذلك فإنّنا نقول لكلّ من إخواننا المسيحيّين، واليهود، والبوذيّين، والمسلمين، وغيرهم : لا تنظروا صوبا في النجوم، فلتجولوا بنظركم إلى اليمين قليلا، وسترون الشمس، انتهى الجواب .
-  في العام التالي فتح أحباب الإسلام أبوابهم في أوروبة : أوّلا في بروكسل، ثمّ في باريس، فقد أثار الشيخ عدّة رضي الله عنه ببساطة فكره وعمقه وحداثته اهتمام العامّة، والسلطات الدينيّة على حدّ سواء .
         من خلال هذه الدعوة الكريمة والجريئة إلى الحوار، يظهر الشيخ عدّة هنا أيضا بصورة المبتكر المتقدّم على زمانه، وبما أنّ جمعيّة أحباب الإسلام بقيت توفّر لوقت طويل الإطار الوحيد والأوحد للمناقشات والاجتماعات الوديّة بين الأديان والتيّارات الفكريّة المختلفة، إذ أنّ مبادرة الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة للدعوة رسميّا إلى عام للحوار بين الثقافات والأديان، لم تأت إلاّ في سنة ألفين وواحد ميلاديّة بعد أن أدركت ضرورة الحوار .
-  إذا هذا الانعطاف هو السبيل الأخير، سبيل القلب والحقيقة، كان نافعا، وبما أنّ الوتيرة الّتي كانت الطريقة تسير عليها قد تسارعت باضطراد، وبعد نصف قرن من الزمن أي سنة ألفين ميلاديّة تزوّدت في فرنسا، ثمّ في أوروبة بنظام جديد لتجمل اسم : أراضي أوروبة، وقد جرى تدشينها سنة ألفين وواحد ميلاديّة في مقرّ اليونسكو وتحت رعاية رئيسها، وذلك خلال المؤتمر الدولي الّذي حمل عنوان : إسلام السلام، ولا تزال تتّسع في جميع أنحاء العالم وفقا للوعي الّذي يبديه مختلف الفاعلين في العالم، انتهى الاقتباس من قول الشيخ خالد بن تونس، ومجلّة المرشد .
* : يقول الشيخ خالد بن تونس رضي الله عنه، في كتابه التصوّف الإرث المشترك، الصفحــــــة 231، 232، والبعض منها نقلا عن مجلّة المرشد، نقتبس منه 
-  سأل أحدهم الشيخ عدّة بن تونس رضي الله عنه : من أنت حقّا يا شيخ ؟ .
الجواب : أنا واحد من الأخوة، إنّني واحد من الجماعة الّتي تعرف نزول المسيح عيسى عليه السلام، فقد أخبرنا رسول الله محمّد عليه أزكى الصلاة والسلام أنّه قبل نزول المسيح ابن مريم سيظهر قوم صلحاء من أتباعه، ولن يكون أحد من هذه الجماعة إن لم يتخلّص ممّا يعيق دربه، وأكبر هذه العقبات هي : العرق والدين، لأنّ نزول المسيح سيكون رحمة بالجميع، لأنّه لو كان النّبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم حاضرا معنا ولاحظ أنّ من بين أتباعه من لا يزال في قلبه هذا المرض أنا على يقين أنّه سيأمره بالوضوء، سيأمره بذلك لأنّه إذا اجتمع يوما يهوديّ تقيّ، ومسيحيّ تقيّ، وبوذيّ تقيّ، ومسلم تقيّ، لم يجدوا من شيء يفرّق بينهم على الإطلاق، بل على العكس، لو ذكر كلّ واحد منهم أقوال نبيّه لوجد أقوالا تدعو إلى الصداقة، والأخوّة، والمحبّة وإلى تعزيزها، وهذا هو الأمر الّذي يرضي الأنبياء جميعا .
-  ويضيف الشيخ خالد بن تونس قائلا : لقد نظّمت الجمعيّة الصوفيّة في بروكسل سنة ألف وتسعمائة وستّ وأربعين ميلاديّة المؤتمر العالميّ الروحيّ، والّذي يعد الأوّل من نوعه، توجّه الشيخ عدّة في خطابه إلى البشريّة قاطبة بما أنّ نطاق رسالته قد تجاوز المجتمع الإسلاميّ، وكان أحد المنظّمين امرأة تدعى : سيرج بريزي، تلقّت تعليمها على يد الشيخ عدّة، وقد كتبت في الدعوة الّتي أرسلتها إلى مستغانم في العشرين شباط سنة ألف وتسعمائة وستّ وأربعين ميلاديّة : لا أعرف إذا كنتم تتذّكرونني، أنّي لم أنس يوما التعليم الّذي تلقيّته في زاويتكم الجليلة بمستغانم، شملها الله بحمايته، نحن بصدد تنظيم المؤتمر العالميّ الروحيّ الّذي نأمل أن يكون جامعا للأديان كلّها بغية وضع ميثاق الروحيّة الإنسانيّة، سأكون سعيدة جدّا لرؤيتكم إن تمكّن أحدكم، إخوتي من حضور الاجتماع، انتهى فحوى الرسالة .
         لم يتمكّن الشيخ عدّة رضي الله عنه من الحضور بسبب مرضه، فأرسل كلمته التاريخيّة الّتي دعا خلالها المؤمنين للحوار، وتبادل القيم الروحيّة والأخلاقيّة الّتي وردت في جميع الكتب المقدّسة، وفي كلّ الحكم المدرّسة من جيل إلى جيل، وذكر بأنّ الشرط الأساسيّ لنجاح الحوار هو وضع الواحد فوق كلّ الجماعات والمذاهب .
         لقد أشار الشيخ عدّة رضي الله عنه في كلمته إلى ضرورة هذا الحوار قائلا : إخواني، إنّ العالم برمّته يحتاج إلى كلّ النعم ذات الصلة بمؤتمركم هذا ما كبر منها وما صغر، وتكمن أصغر هذه النعم في كونه انتشر واتّسع بين الناس، ليجمع اليوم خلال لقائكم الساميّ هذا المؤمنين على اختلاف أعراقهم وأديانهم، من أجل أن يحيوا لحظة من التواصل الوثيق مع بعضهم البعض في مسعى لتعزيز أواصر الصداقة والأخوّة بينهم .
         ويضيف الشيخ عدّة رضي الله عنه قائلا : إنّ الله قد خلق الإنسان رحمة منه، وفضّله على سائر مخلوقاته ليؤمن به ويشكره على نعمه، وبجهل منه اعتقد أنّه قويّ يمكنه السيطرة على كلّ شيء، واعتقد أنّه على علم بكلّ الأمور، فطبيعة الإنسان أن يحلم بالثروة والسيطرة، لكنّ الواقع أثبت أنّه في متابعة أحلامه إلحاق الضرر والمعاناة بالآخرين من بني جنسه، وجاء الدين ليعلّمه التصرّف بحكمة وتبصّر إزاء نفسه وإزاء الآخرين، ورحمة منه بعث الله آدم خليفة له على الأرض، حتّى يسير فيها وفقا للقواعد الإلهيّة، وتشكّل هذه القواعد منهلا للسلام والعدالة للجميع، فإنّ القوانين الّتي وضعها البشر تخضع في الغالب للتغيّرات حسب أهوائهم، ومن هنا ينشأ الصراع والظلم، ليس من الممكن لأي شعب مهما كان أن يجد السعادة الأبديّة والطمأنينة، إن لم يجعل من قوانين الحقيقة مرجعا له، ليتوسّلها في فعل الخير عند كلّ ظرف من ظروف حياته .
         وقد شدّد الشيخ عدّة رضي الله عنه على البعد العالميّ للوحي قائلا : نشر جميع الأنبياء العدل والسلام، إذ لم يرد أبدا عن نبيّ زرعه للشقاق والخلاف بين البشر، فجميعهم كانوا في خدمة الله، فليس من العدل إذن أن نفرّق بين هؤلاء الرسل، وقد أوصى الله نبيّه محمّدا عليه الصلاة والسلام الّذي كان أحد هؤلاء الرسل وخاتمهم ألاّ يفرّق بينهم، فمن يفرّق بينهم إذن فقد ضلّ سواء السبيل .
         ويضيف الشيخ عدّة رضي الله عنه أخيرا : إخواني، أرجو أن تولوا اهتماما لمغزى هذه الكلمات، وأن تنظروا في معناها ومداها، انتهى الاقتباس لقول الشيخ خالد بن تونس، ومجلّة المرشد .     
ثانيا : ما أورده الإمام الحافظ أبو نعيم رضي الله عنه، في كتابه حلية الأولياء، وطبقات الأصفياء، نقتبس منه 
         لقد أورد حديثا قدسيّا فيه حوار بين الله وبين موسى عليه السلام : يؤكّد أنّ أحمد من أسماء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد صحّ النّبيّ بأنّه دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى عليهما السلام، ورؤيا أمّه، انتهى
الاقتباس .
ثالثا : إرسال الله تعالى لعيسى عليه السلام، ودعوته لتوحيد الله تعالى 
* : لقد أرسل الله تعالى عيسى عليه السلام، وأنزل عليه الإنجيل، فكانت الديانة النصرانيّة، أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل، وعندما جاء عليه السلام، قال : أنّه لم يرسل لهدم الناموس، بل ليتمّ الرسالة الّتي جاء بها موسى عليه السلام، وقد بشّر كما بشّر موسى عليهما السلام برسول من بعدهما اسمه أحمد، وتحدّثت التوارة عن صفاته كما تحدّث الإنجيل .
         يقول الله تعالى : ( وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إنّي رسول الله إليكم مّصدّقا لّما بين يديّ من التّوراة ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلمّا جاءهم بالبيّنات قالوا هذا سحر مّبين / الصف آية / 6 ) .
* : إنّ المسيحيّة هي النصوص الّتي جاء بها السيّد المسيح عليه السلام، ولا يخرج مضمونها عمّا جاء على لسانه في القرآن الكريم : ( ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربّي وربّكم وكنت عليهم شهيدا مّا دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم وأنت على كلّ شيء شهيد / المائدة آيـــــة / 117 )، لا ما ألحق بكلامه من الفوارق، وسيرته من التأويل، وبذلك تكون المسيحيّة هي دين الروح، وخطاب القلب، ونداء الحسّ، بصرف النظر عن الفوارق الإقليميّة والدوليّة، جاءت خالية من المراسم والطقوس، ومن علائق التجسيم والمادّة، الّتي تولّد الرين على القلوب .
         لقد دعا المسيح عليه السلام إلى توحيد الله تعالى، وتنزيهه عن الندّ والشريك، أو المشاركة مثله في ذلك مثل باقي إخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد تبرّأ المسيح عليه السلام من الّذين قالوا عنه : أنّه الله أو ابن الله، وكان قوله لربّه كما ورد في القرآن الكريم : ( ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربّي وربّكم / المائدة آية / 117 )، فهذا القول هو خير حاسم للنزاع، وإن كان المتشدّقون يتّخذون من كلمة النبوّة الّتي وردت مجازا في بعض المواقف على أنّه ابن الله، فقد أخطأوا حيث أنّ الكلمة كانت ترمز إلى جميع عباد الله المخلصين الّذين أمنوا بوحدانيّة ربّهم أنّهم أبناء الله، وذلك حسبما جاء في أمر المسيح عليه السلام القائل لهم يجب أن تصلّوا هكذا : أبانا الّذي في السماوات ليتقدّس اسمك، ولتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض، اغفر لنا ذنوبنا .
* : وفي هذا المقام يستطيع أن يقف كلّ مسيحيّ مؤمن يناجي أباه الّذي في السماء أي ربّه القدّوس اسمه، والمنفّذ لمشيئته في الأرض والسماء، يقول الله تعالى : ( غافر الذّنب وقابل التّوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلاّ هو إليه المصير / غافر آية / 3 ) .
         يتّضح لنا جليّا أنّ المسيح عليه السلام لم يكن إلها، أو لم يدّع يوما ما أنّه إله، وذلك من مناقشته لأحد الفريسيّين عندما قال الفريسيّ : أيّها المعلّم الصالح، وهنا استدار المسيح عليه السلام إليه شبه مستنكر، وفي الوقت نفسه معلّم مرشد، وقال له : كيف تدعوني صالحا وليس أحد صالحا إلاّ الله ؟، ومن هذه النقطة تفهم أنّ الفريسيّ جاء ليستدرج المسيح عليه السلام لأنّه سمع من تلاميذه يقولون عن المسيح عليه السلام : أنّه الله، فكان ردّه على المسيح عليه السلام مظهرا ما يبطنه : نعم يا معلّم ليس أحدا صالحا إلاّ الله، وانتهت المناقشة بتأمين المسيح عليه السلام على كلام الفريسيّ، حين قال له : إنّك لست بعيدا
عن ملكوت السماوات . 
         يقول الله تعالى : ( وإذا قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون النّاس قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقّ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علّام الغيوب / المائدة آية / 116 ) .
رابعا : إرسال الله تعالى لسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم بالرسالة الخاتمة 
* : لمّا كان لكلّ شيء أساس يقاس عليه مدى أهميّته، كذلك المبادىء مهما كانت فقد وضعت على أسس بصرف النظر عن قيمة تلك الأسس سواء كانت ثابتة القواعد أو منهارة الأركان، وكان لواضعي المبادىء والنظم والقوانين أهداف بنيت على تلك الأسس، متّخذين من الوسائل مطايا وإمكانيّات لتوصيلهم إلى تلك الأهداف .
         ثمّ أرسل الله تعالى محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، وأنزل عليه القرآن، فكانت الديانة الإسلاميّة، أرسله الله تعالى إلى أهل الأرض قاطبة ليكون خاتم الأنبياء والرسل، وليكون رحمة الله المهداة إلى العالمين، ولتكون رسالته خاتمة الرسالات من قبله، والّتي دعت إلى توحيد الله تعالى، وتضمّنت في جوهرها رسالة الإسلام، فالإسلام هو دين كلّ الأنبياء .
         يقول الله تعالى : ( وما أرسلناك إلاّ كافّة للنّاس بشيرا ونذيرا ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون / سبأ آية / 28 ) .
         ولمّا كان خلق الإنسان على أساس : ( وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون / الذاريات آية / 56، 57 )، كانت العقائد الإسلاميّة تقوم على أسس وأركان وقواعد بنيت على أساس واحد هو التوحيد، وكانت الركائز الخمس هي منبع الخطوط العريضة الّتي بدأت بتعليم الناشيء دروسا تتّفق والفطرة الّتي فطر الله تعالى عليها ذلك الناشيء .
* : من هنا كانت بداية الانطلاق في التبحّر، فكانت قواعد الإسلام الخمس في أدائها غاية، وفي تأديتها هدفا لمن يؤدّيها، فالغاية منها الوصول إلى الله تعالى، والهدف منها أن يكون المؤدّي عبدا مطيعا متعبّدا، حائزا لرضاء الله تعالى، فكان لا بدّ من البدء في عقيدة الإسلام أن يبحث في الألوهيّة والربوبيّة، وهذا هو الهدف الأسمى .
         لم يدع القرآن شائبة من ريب، أو شكّ في مسألة الوحدانيّة الإلهيّة، فقد علّم المسلمين التوحيد الخالص الّذي قضى على تيّارات التعدّد والشرك، بل ذكر الله تعالى صفات دلّت على قدرته ووحدانيّته، وأنّه ليس كمثله شيء في الأرض ولا في السماء، لم يكن الله تعالى والدا لولد، ولا مولودا لوالد أو والدة .
         يقول الله تعالى : ( قالوا اتّخذ الله ولدا سبحانه هو الغنيّ له ما في السّماوات وما في الأرض / يونس آية / 68 ) .
         يقول الله تعالى : ( وما ينبغي للرّحمن أن يتّخذ ولدا * إن كلّ من في السّماوات والأرض إلاّ آتي الرّحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدّهم عدّا * وكلّهم آتيه يوم القيامة فردا / مريم آية/ من 92  -  95) 
         يقول الله تعالى : ( قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن لّه كفوا أحد / سورة الإخلاص ) .   
         إنّه تعالى واحد صمديّ أزليّ، ربّ العالمين، ربّ الناس، ملك الناس، إله الناس، ربّ الفلق، ربّ البيت، ربّ المغفرة، يدخل من كتبت لهم السعادة في دين الله أفواجا، وإذا ما دخلوا وتمسّكوا وآمنوا بدين الله الحيّ القيّوم، سبّحوا بحمد ربّهم واستغفروه إنّه كان توّابا، فأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، وتولّدت فيهم العقيدة الصحيحة، ورسخ عندهم الإيمان بأنّ الله تعالى هو العليم بكلّ شيء .
         يقول الله تعالى : ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور / غافر آية / 19 ) .
         يقول الله تعالى : ( عليم بذات الصدور / فاطر آية / 38 ) .
         يقول الله تعالى : ( وما كنّا عن الخلق غافلين / المؤمنون آية / 17 ) .
         يقول الله تعالى : ( وسع ربّنا كلّ شيء علما / الأعراف آية / 89 ) . 
* : ومن صفات الله تعالى
         يقول الله تعالى : ( هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكلّ شيء عليم / الحديد آيـــة / 3 ) .
         يقول الله تعالى : ( الحيّ الّذي لا يموت / الفرقان آية / 58 ) .
         يقول الله تعالى : ( وهو الّذي يحيى ويميت / المؤمنون آية / 80 ) .
         يقول الله تعالى : ( وهو بكلّ خلق عليم / يس آية / 79 ) .  
         يقول الله تعالى : ( كلّ شيء هالك إلاّ وجهه / القصص آية / 88 ) .
         يقول الله تعالى : ( لا يعزب عنه مثقال ذرّة / سبأ آية / 3 ) .
         يقول الله تعالى : ( ألا له الخلق والأمر / الأعراف آية / 54 ) . 
         ومع اعتقاد المسلم في صفات الله تعالى، فإنّه لا يمكن أن يؤمن أبدا، أو يتسرّب إليه مجرّد التفكير، أنّ تلك الصفات هي تعدّد يشبه التعدّد في الثالوث البوذيّ، أو الثالوث الصينيّ، أو التاسوع المصريّ القديم، أو الثالوث المسيحيّ، أو الثنائيّ الّذي يقول : هناك إله للظلام أو إله للنور، أو كما يقول القائلون : أنّ هناك إلهين أحدهما إله الخير والآخر إله الشرّ، إنّما يؤمنون إيمانا جازما أنّ تلك الصفات لربّ واحد يبعد عن النقائص الّتي لا تجوز في خلق الإله . 
         يقول الله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا فسبحان الله ربّ العرش عمّا يصفون / الأنبياء آية / 22 ) . 
         والمسلمون جميعا لا فرق بين طائفة وأخرى يؤمنون أنّ الصفات إن دلّت إنّما تدلّ على أنّه القادر على كلّ شيء، الخبير، العليم، الرزّاق، ذو القوّة المتين، المنفرد بالوحدانيّة، الفعّال لما يريد، الودود، ذو العرش المجيد، الرحمن الرحيم، الكامل المنزّه، من قدرته : الخلق، والحياة، والموت، والإرادة، والعطاء، والمنح، والمغفرة، والهداية، لا شريك له ولا مثيل .
         يقول الله تعالى : ( ولله ملك السّماوات والأرض والله على كلّ شيء قدير / آل عمران آيــة / 189 ) 
         يقول الله تعالى : ( فعّال لما يريد / البروج آية / 16 ) .
         وبهذه العقائد انتشل الإسلام البشريّة من عناصر الشرك والجهالة، حيث ترك لمعتنقيه حريّة العقيدة
عن إيمان لا تشبه شائبة، وأفسح أمامهم المجال للتفكير والتأمّل والتطلّع، وبذلك تخلّصت العقيدة من كلّ شائبة، فأصبحت صافية نقيّة كالمرآة .
         وعلى أساس تلك العقيدة وهذا الاعتقاد، كانت أركان الإسلام الخمسة هادفة إلى التوحيد، راسمة الخطوط العريضة الّتي تمكّن المسلمين من شقّ طريقهم في الحياة، جامعين بين أيديهم مطالب الدنيا والآخرة  
* : لقد عبّر الشيخ محمّد الأمين أحد علماء الإسلام في موريتانيا رضي الله عنه، عن حقيقة تتابع الرسل، نقتبس من قوله 
        ولمّا كانت الحكمة حسب الطبائع والعوائد الّتي شاء الله خلقها في البشر تقتضي تعدّد الرسل، وتفاوت إرسالهم في فترات من الزمن مختلفة الأحوال، وفي أجناس من الناس مختلفيّ الطبائع والعوائد من الله عزّ وجلّ بتعدّد الرسل، وتفاوت إرسالهم كلّما أرسل رسول فاتّبع الناس ما جاء به، ثمّ تركوه، أو بدّلوا فيه وغيّروا، أو رجعوا إلى الضلال، أرسل الله عزّ وجلّ رسولا آخر فضلا منه ونعمة .
         ولمّا أراد الله تعالى أن يختم رسالاته برسالة عامّة جامعة لما قبلها من الرسالات ورسله برسول عامّ إلى كافّة الناس مبشّرا بجميع ما بشّر به الرسل، ومنذرا جميع ما أنذروا على فترة من الرسل لتوضع للناس شريعة واحدة يتقيّدون بها إلى قيام الساعة، وكانت الرسالة موجّهه إلى أمم، مختلفة الأجناس، والطبائع، والعادات، والبلاد كما شاء عزّ وجلّ لحكمة يعلمها الحكيم الخبير، كانت المدّة الّتي بين رسالة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين قيام الساعة يصعب تمسّك الأمّة طيلتها بما التزمت به الأمم السابقة حسب الطبائع البشريّة، وكانت الحكم حسب ما ذكر تقتضي أن تكون هذه الرسالة ذات امتياز خاصّ، وأن يكون صاحب هذه الرسالة العامّة الكبرى صاحب امتياز خاصّ، انتهى الاقتباس .
خامسا : كيف طبّق السلف الولاء والبراء ؟
         إنّ التطبيق الواقعيّ للولاء والبراء هو المقتضى الصحيح، والوجه المشرق لمبدأ كلمة التوحيد : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، وإنّ سلف الأمّة رضي الله عنهم هم خير من طبّق هذه العقيدة بكلّ مقتضياتها وتكاليفها، ولقد كانوا معلما من معالم الهداية والرشاد لمن جاء بعدهم، ليستنّ بسنّتهم، وينهج منهجهم .
* : كان السلف رضي الله عنهم يقدّرون النعمة الّتي أنعمها الله تعالى عليهم، وعلى رأسها نعمة الإيمان، وكذلك يقدّرون فضل نور الله تعالى، وشريعته الغرّاء الّتي بعث بها نبيّه محمّدا صلّى الله عليه وسلّم .
         يقول الله تعالى : ( أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في النّاس كمن مّثله في الظّلمات ليس بخارج مّنها كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون / الأنعام آية / 122 ) .
         لقد قدّر سلف الأمّة رضي الله عنهم تربية المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، وأهميّة سنّته الشريفة قولا وفعلا، وقاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهّار، وكما قال ربعيّ بن عامر رضي الله عنه في مجلس يزدجرد : ( الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ..... )، فالأمم عندهم سواء، والناس عندهم سواء .
         يقول الله تعالى : ( إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثمّ قال له كنّ فيكون / آل عمران آية / 59 ) .
         عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال : ( لينتهينّ أقوام يفتخرون
بآبائهم الّذين ماتوا، إنّما هم فحم جهنّم، أو ليكوننّ أهون على الله من الجعل الّذي يدهده الخراء بأنفه، إنّ الله قد أذهب عنكم عبّيّة الجاهليّة وفخرها بالآباء، إنّما هو مؤمن تقيّ، وفاجر شقيّ، النّاس كلّهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب ) رواه الترمذي في سننه كتاب المناقب عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورقم الحديث ( 3890 ) .
         لم يبخل سلف الأمّة بما عندهم من دين وعلم وتهذيب على أحد، ولم يراعوا الحكم والإمارة والفضل نسبا ولونا ووطنا، بل كانوا سحابة خير انتظمت البلاد وعمّت العباد، وانتفعت بها البلاد والعباد على قدر قبولها وصلاحها .
* : ومن الأمثلة الكثيرة في هذا الباب، نذكر بعضا منها على سبيل التنويه والتوضيح 
-  موقف صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من كعب بن مالك رضي الله عنه، ومن معه من المخلّفين الثلاثة في غزوة تبوك، وموقف كعب بعد ذلك : حيث قاطعوهم وهجروهم لتخلّفهم عن غزوة تبوك، إنّ هذا لموقف كبير يبرز فيه ولاء المسلم لدينه وإخوانه المؤمنين، فهذا المؤمن مهجور من إخوانه وأحبابه، مقاطع عنهم حتّى في ردّ السلام .
         يقول الله تعالى : ( وعلى الثّلاثة الّذين خلّفوا حتّى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنّوا أن لّا ملجأ من الله إلاّ إليه ثمّ تاب عليهم ليتوبوا إنّ الله هو التّوّاب الرّحيم / التوبة آية / 118 ) .
         عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أنّ عبد الله بن كعب بن مالك رضي الله عنهما، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال في حديث طويل : ( سمعت كعب بن مالك يحدّث حين تخلّف عن قصّة تبوك، قال كعب : لم أتخلّف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة غزاها إلاّ في غزوة تبوك، غير أنّي كنت تخلّفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلّف عنها، إنّما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يريد عير قريش، ............، فأصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون معه ولم أفض من جهازي شيئا، فقلت : أتجهّز بعده بيوم أو يومين ثمّ ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهّز، فرجعت ولم أقض شيئا، ..............، ولم يذكرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك : ما فعل كعب، فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله، حبسه برداه، ونظره في عطفه، ........، فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، .........، وأصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثمّ جلس للنّاس، فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، ............، فقبل منهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علانيّتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكّل سرائرهم إلى الله، ........، فجئته، فلمّا سلّمت عليه تبسّم تبسّم المغضب، ثمّ قال : تعال، فجئت أمشي حتّى جلست بين يديه، فقال لي : ما خلّفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك، فقلت : بلى، .......، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أمّا هذا فقد صدق، فقم حتّى يقضي الله فيك، .........، فقلت : من هما، قالوا : مرارة بن الرّبيع، وهلال بن أميّة الواقفيّ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، ...........، ونهى رسول الله صلّى
الله عليه وسلّم المسلمين عن كلامنا أيّها الثّلاثة من بين من تخلّف عنه، فاجتنبنا النّاس، وتغيّروا لنا، حتّى تنكّرت في نفسي الأرض، فما هي الّتي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، .............، فكنت أخرج فأشهد الصّلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلّمني أحد، وآتي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصّلاة، فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه بردّ السّلام عليّ أم لا، ........، حتّى إذا طال عليّ ذلك من جفوة النّاس مشيت حتّى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمّي وأحبّ النّاس إليّ، فسلّمت عليه، فوالله ما ردّ عليّ السّلام، فقلت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أحبّ الله ورسوله، فسكت، فعدت له فنشدته، فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتولّيت حتّى تسوّرت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطيّ من أنباط أهل الشّام ممّن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلّ على كعب بن مالك، فطفق النّاس يشيرون له حتّى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسّان، فإذا فيه : أمّا بعد، فإنّه قد بلغني أنّ صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، فقلت لمّا قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيمّمت بها التّنّور فسجرته بها، حتّى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأتيني، فقال : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت : أطلّقها أم ماذا أفعل، قال : لا بل اعتزلها ولا تقربها، ....، فقلت لامرأتي : إلحقي بأهلك فتكوني عندهم حتّى يقضي الله في هذا الأمر، .............، فلمّا صلّيت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال الّتي ذكر الله قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أو في على جبل سلع بأعلى صوتـه : يا كعب بن مالك، أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتوبة الله علينا حين صلّى صلاة الفجر، فذهب النّاس يبشّروننا، ....، وانطلقت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيتلقّاني النّاس فوجا فوجا يهنّوني بالتّوبة، .......، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو يبرق وجهه من السّرور : أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك، قال : قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله، قال : لا، بل من عند الله، ..........، فلمّا جلست بين يديه، قلت : يا رسول الله، إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، قلـت : فإنّي أمسك سهمي الّذي بخيبر، فقلت : يا رسول الله، إنّ الله إنّما نجّاني بالصّدق، وإنّ من توبتي أن لا أحدّث إلاّ صدقا ما بقيت، ............، وأنزل الله على رسوله صلّى الله عليه وسلّم : لقد تاب الله على النّبيّ والمهاجرين والأنصار، إلى قوله : وكونوا مع الصّادقين، .............. ) رواه البخاري في صحيحه كتاب المغازي ورقم الحديث ( 4066 ) .
         لقد صدق كعب بن مالك رضي الله عنه في قوله : ( وهذا أيضا من البلاء )، أجل إنّه بلاء عظيم، ولقد كان ولاء كعب رضي الله عنه رغم ما هو فيه من شدّة وهجر ومع دواعي الإغراء، والأغواء لله تعالى ولدينه ورسوله والمؤمنين، وكان براؤه من ملك غسّان واضحا في حرقه لكتاب ذلك الملك .              
         فانظر إلى هذه العظمة، وهذا الصدق في الولاء والحبّ للإسلام والمسلمين، والبعد عن كلّ ما
يصرف عن ذلك من متاع الدنيا ووجاهتها الّتي لا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة .
-  موقف عبد الله بن عبد الله بن أبيّ رضي الله عنه من والده : لقد منع عبد الله أباه، وهو رأس المنافقين في المدينة من دخول المدينة المنوّرة، إلاّ بإذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حيث يقول الله تعالى قول والد عبد الله، وردّ الله تعالى على قوله : ( يقولون لئن رّجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين ولكنّ المنافقين لا يعلمون / المنافقون آية / 8 ) .
-  موقف أبي عبيدة رضي الله عنه من والده في معركة بدر : لقد قتل أبو عبيدة رضي الله عنه والده في معركة بدر الكبرى، لأنّه كان كافرا محاربا لله تعالى ورسوله، ولم تكن صلة الأبوّة لتمنعه دون تنفيذ الولاء للإسلام، والنصرة لله تعالى ودينه والمؤمنين، وفي هذا الموقف العجب العجاب . 
-  موقف أنس بن النضر رضي الله عنه يوم أحد : لقد غاب أنس بن النضر رضي الله عنه عن شهود معركة بدر، فقال : لئن أشهدني الله تعالى قتال المشركين ليرينّ الله ما أصنع، فعن أنس رضي الله عنه، قـال : ( غاب عمّي أنس بن النّضر عن قتال بدر، فقال : يا رسول الله، غبت عن أوّل قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرينّ الله ما أصنع، فلمّا كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال : اللّهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء، يعني الصّحابة، وأبرأ إليك ممّا صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثمّ تقدّم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال : يا سعد بن معاذ الجنّة وربّ النّضر، إنّي أجد ريحها من دون أحد، قال سعد : فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس : فوجدناه به بضعا وثمانين ضربة بالسّيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثّل به المشركون، فما عرفه أحد إلاّ أخته ببنانه، قال أنس : كنّا نرى أن نظنّ أنّ هذه الآية نزلت فيه، وفي أشباهه : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، إلى آخر الآية، وقال : إنّ أخته تسمّى الرّبيّع كسرت ثنيّة امرأة، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالقصاص، فقال أنس : يا رسول الله، والّذي بعثك بالحقّ لا تكسر ثنيّتها، فرضوا بالأرش، وتركوا القصاص، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه ) رواه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير ورقم الحديـــــث ( 2595 ) .  
         فهذا هو الولاء الصادق الّذي بنته العقيدة الإسلاميّة في النفوس، فأخرجت للناس هذه النماذج العظيمة الّتي تقصر دون عظمتها كلّ عظمة أرضيّة .
         إنّ سلفنا الصالح رضي الله عنهم كانوا شديديّ الاعتزاز بدينهم، فلم تخدعهم المظاهر الجوفاء، ولا القوى والاعتبارات الّتي تتعبّد الناس في الجاهليّة .
* : فيجب على المسلمين اليوم أن يفهموا : يجب الاقتداء بسيرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وسلفنا الصالح رضي الله عنهم في كلّ شيء، وإنّ سبيل النجاح، وطريق الفلاح في الدنيا والآخرة للمسلمين المخلصين هو تحقيق مقتضيات هذه العقيدة والإصرار على تحكيم الشريعة الربّانيّة، وأن يرتفعوا إلى المستوى المطلوب منهم .  
         يقول الله تعالى : ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مّؤمنين / آل عمران آيــــة / 139 ) 
سادسا : نشر الكتب من قبل المستشرقين، وقول بعض علماء المسلمين
* : يقول محمّد بن سعيد بن سالم القحطانيّ رضي الله عنه، في كتابه الولاء، والبراء في الإسلام، نقتبس منـه 
-  لئن كانت حركة الترجمة الأولى قد صحبها من الانحرافات، فإنّ حركة الترجمة المعاصرة أشدّ خبثا من سابقتها، وأكثر إفسادا منها .  
         لم تكن الترجمة الحديثة في غالب الأحوال عن طريق غير المسلمين فحسب، بل اتّجهت إلى ترجمة كتب المستشرقين الحاقدين الّذي قاموا بأعمال فكريّة كثيرة هدفها الأساسيّ تشويه مصادر التلقّي عند المسلمين، وتكديرها بالأفكار المغرضة والدسائس الحاقدة، لينشأ جيل إسلاميّ مفصول العرى عن دينه وأمّته، يتّخذ من الطرائق الغريبة في التفكير والبحث قبلته الوحيدة، ولا يشعر بالانتماء للإسلام دينا ومنهجا وحضارة .
-  تتّفق كتابة المستشرقين في معظمها على أسلوب واحد هو : أنّها دراسات موجّهة من قبل المستشرقين أنفسهم ومن قبل من يموّلهم في عملهم، فهي ليست دراسات علميّة يقصد بها وجه العلم، يدلّ على ذلك قول المستشرق ولفرد كانتول سمث في كتابه الإسلام في التاريخ الحديث، الفصل الثالث الّذي تكلّم فيه عن العرب : إنّ الإسلام كان عاملا أساسيّا وسببا مهمّا من أسباب وجود الهوّة الّتي تفصل بين الغرب والعرب، ولقد أصبح من الحقائق الجديدة في مدنيّتنا العصريّة أنّ من الواجب سدّ هذه الثغرات ببناء قنطرة فوق مثل هذه الهوّة، وخلق الأسباب الموصلة للتفاهم والتواصل، وخلق مثل هذا التفاهم بين المدنيّات المختلفة، والأديان المتباينة يتطلّب جهودا مبتكرة لا يتوصّل إليها إلاّ بصعوبة، انتهى قول سمث .
-  لقد قام المستشرقون بجهود كبيرة تمثّلت في إحياء بعض النصوص والمخطوطات الإسلاميّة، وكان لهم في ذلك طرق منظّمة إلى حدّ ما، ولهم أيضا في ذلك أخطاء كثيرة في فهم النصوص، وتفسير الأحداث، ولكن مع كلّ ذلك فليست العبرة بالجهد الّذي بذل، وإنّما العبرة بالهدف الّذي بذل هذا الجهد من أجله هل كان هذا الهدف هو خدمة الإسلام أم تشويه الإسلام، وتلويث صورته في النفوس ؟ .
-  ويدّعي المستشرقون في كلّ ما يكتبون الروح العلميّة أو الروح المتجرّدة وغير ذلك من الشعارات الّتي تكذّبها كتابة المستشرقين أنفسهم، ودليل ذلك أن المستشرق الإنجليزيّ دافيد صموئيل مرجليوث وهو من أئمّتهم، يقول في فصل له منشور في موسوعة تاريخ العالم : أنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم رجل مجهول النسب، لأنّه محمّد بن عبد الله، وقد كان العرب يطلقون على من لا يعرفون نسبه اسم عبد الله، انتهى قول مرجليوث .
         أوليس منبع هذا هو الحقد الصليبيّ، لا الروح العلميّة المتجرّدة ؟ .
         أوليس دافع هذا التشكيك في الحقائق المسلّمة البديهيّة ؟ .
         كيف يقال هذا الكلام ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أقوام لا تعرف شيئا كمعرفتها بالأنساب، ولا تعتزّ بشيء كاعتزازها به ؟ .
         أي سخف، وأي تفاهة في هذا التفكير الاستشراقيّ الخبيث ؟ .
-  وماذا ينتظر من هؤلاء، وواحد من زعمائهم هو المستشرق المجريّ إجناتس جولد تسيهر، يقول في كتابه العقيدة، والشريعة في الإسلام : إنّ النظام الفقهيّ الإسلاميّ الدقيق مستمدّ من القانون الرومانيّ،
ونظامه السياسيّ متأثّر بالنظريّات السياسيّة الفارسيّة، وتصوّفه يمثّل الآراء الهنديّة والإفلاطونيّة الجديدة، انتهى قول جولد تسيهر .   
         وماذا يرتجى من تلاميذهم الّذين ينظرون إليهم بروح الإجلال والإكبار، وإنّهم هم أساطين البحث العلميّ المتجرّد ؟ .
         إنّ كثيرا من تلاميذهم يستطيع أن يغالط نفسه، وغيره ممّن هو على شاكلته كثيرا، ولكنّه لا يستطيع أن ينكر واقعا مشهودا في حياة المستشرقين أنفسهم، انتهى الاقتباس من قول محمّد سعيد القحطانيّ
* : يقول الدكتور مصطفى السباعيّ رضي الله عنه، في كتابه السنّة، ومكانها في التشريع الإسلاميّ، نقتبس منه 
-  حدّثني البروفسور أندرسون نفسه : أنّه أسقط أحد المتخرّجين من الأزهر الّذي أراد نيل شهادة الدكتوراه في التشريع الإسلاميّ من جامعة لندن، لسبب واحد هو : أنّه قدّم أطروحته عن حقوق المرأة في الإسلام، وقد برهن فيها على أنّ الإسلام أعطى المرأة حقوقها الكاملة، فعجبت من ذلك، وسألت هذا المستشرق : وكيف أسقطتّه ومنعته من نيل الدكتوراه لهذا السبب، وأنتم تدّعون حريّة الفكر في جامعاتكـم ؟ .
الجواب : قال : لأنّه يقول : الإسلام يمنح المرأة كذا، والإسلام قرّر للمرأة كذا، فهل هو ناطق رسميّ باسم الإسـلام ؟ .
-  لقد أحدثت كتب المستشرقين زعزعة كبيرة في نفوس ضعاف الإيمان، فخرج من هذه المدرسة التشكيكيّة أجيال تولّت القيادات الفكريّة والعلميّة في العالم الإسلاميّ، وأخذت تردّد كالببّغاء ما أملاه عليها أساتذتها العلماء .
         لقد كان من أهمّ أهداف المستشرقين وتلاميذهم الطعن في سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومحاولة النيل منها، ومصداق ذلك : أنّ أحد هؤلاء التلاميذ، وهو الدكتور علي حسن عبد القادر، قال لتلاميذه بعد أن رجع دكتورا : إنّي سأدرّس لكم تاريخ التشريع الإسلاميّ، ولكن على طريقة علميّة لا عهد للأزهر بها، وإنّي أعترف لكم بأنّي تعلّمت في الأزهر قرابة أربعة عشر عاما لم أفهم الإسلام، ولكنّي فهمت الإسلام حين دراستي في ألمانيا .
-  ويضيف الدكتور مصطفى السباعيّ : ثمّ تبيّن لنا فيما بعد أنّه يملي علينا ترجمة حرفيّة لكتاب المستشرق المجريّ إجناتس جولد تسيهر، وهو : دراسات إسلاميّة، انتهى الاقتباس .
* : يقول الأستاذ محمّد محمّد حسين رضي الله عنه في كتابه الإسلام، والحضارة الغربيّة، نقتبس منه 
         وما أكثر ما يعتمدون عليه في الطعن في السنّة من غير الشبه والشكوك، فهو حكاية عرض الحديث على العقل، وهي حكاية قديمة نادى بها المعتزلة، وتبعهم عليها المستشرقون وتلاميذهم .        
         وللمستشرقين أيضا كتابات أخرى دسّ فيها السمّ بالعسل، وذلك أنّهم يصدرون كتبهم بقليل من المدح للإسلام، وانّه فعل كذا وكذا، ... ألخ، وهم يهدفون من وراء ذلك إلى كسب ثقة القاريء، ثمّ يبدأون بنفث الحقد الدفين في نفوسهم بأن يشكّكوا في العقيدة والشريعة، ويوردوا سيلا من الشبه التافهة من أجل زعزعة ثقة المسلم بدينه، تحقيقا لقوله تعالى : ( وقالت طّائفة مّن أهل الكتاب أمنوا بالّذي أنزل على الّذين أمنوا وجه النّهار واكفروا آخره لعلّهم يرجعون / آل عمران آية / 72 )، انتهى الاقتباس .
سابعا : تعقيب لطيف 
         إنّ الخصائص والمميّزات الّتي تميّز بها الإسلام عن غيره من الديانات والمناهج والفلسفات، والمميّزات الّتي تميّز بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن غيره هي : إنّ الإسلام من بين الأديان العالميّة يتمتّع بمكانة فريدة، وله عناصر مميّزة كثيرة، ومن هذه الخصائص 
* : إنّ الإسلام الأصلي بعكس الأديان الأخرى، فالإسلام هو الدين الوحيد الّذي أعطي هذا الاسم من قبل رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وكتابه المقدّس وهو القرآن الكريم .
         يقول الله تعالى : ( إنّ هذا القرآن يهدي للّتي هي أقوم ويبشّر المؤمنين الّذين يعملون الصّالحات أنّ لهم أجرا كبيرا / الإسراء آية / 9 ) .
* : أمّا اليهوديّة فقد عرفت بعد المنطقة الّتي ولدت فيها الديانة اليهوديّة، واليهوديّ هو الشخص الّذي ينتمي إلى الجنس اليهوديّ .
* : والنصرانيّة هي الاسم الّذي أعطي من قبل أتباع عيسى عليه السلام من اليهود الّذين اعتبروه المسيح، والكلمة اليونانيّة الّتي تحلّ محلّ كلمة المسيح هي كلمة KRISTOS كرستوس، أو CHRIST كراسيت، والّتي أتت بعد موت المسيح بفترة غير قصيرة .
* : والبوذيّة هي الدين الّذي يعتقد أنّ الّذي دعا إليه قوتاما بوذا، وبعد وفاته بمائتي سنة على الأقلّ أصبح أتباعه يعرفون بهذا الاسم .
* : والزردشتيّة عرفت بعد مؤسّسها زرادشت، الّذي يعتقد أنّه عاش في الفترة ما بين ثلاثمائة إلى ستمئة قبل الميلاد .
* : وأتباع الهندوسيّة الّذين انقسموا إلى فرق كثيرة لم يعطوا أبدا اسما لديانتهم، لأنّ كلّ فرقة اعتادت أن تسمّي طريقتها في الحياة باسم دراما dharma .
* : أمّا الإسلام في تاريخ الأديان كلّها فهو الدين الوحيد الّذي أعطي هذا الاسم من قبل الله تعالى أثناء حياة الرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم .
         لا يوجد أي تسمية دينيّة تحمل معنى، أو تبدي أي إشارة عن الحياة كما يفعل الإسلام .
         إنّ اليهوديّة، والبوذيّة، والزردشتيّة، والهندوسيّة، والنصرانيّة تعرف إمّا بعد مؤسّسها أو بعد معرفة مكان نشأتها، ولا يوجد أي دين منها يحمل أي معنى محدّد، في حين أنّ كلمة إسلام لا لأنّها تحمل معنى فحسب ولكن لكونها تحمل في داخلها الجوهر الكامل لنظرة الإسلام للحياة، كما هو مذكور في القرآن الكريم، وكما علّمنا الرسول صلّى الله عليه وسلّم .   
-  إنّ الله تعالى علّمنا أن نحاور كلّ الناس، ولا توجد مقدّسات في الحوار، فقد حاور الله تعالى إبليس، فهل هناك من الناس من هو مثل إبليس ؟، إنّ القرآن الكريم هو كتاب حوار مع المشركين في توحيد الله تعالى، ومع الكافرين في وجود الله تعالى، وفي نبوّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كما حاور المنافقين .
         لذلك نعتبر أنّ عظمة القرآن الكريم هو كتاب الحوار المقدّس الّذي يقول لنا : إنّ مسألة الإيمان هي أن تفكّر وتقتنع، وبالتالي أن تحاور، لذلك عندما تحدّث الله تعالى عن الدعوة إلى الله تحدّث عن الحوار، ولكي يتمّ الحوار لا بدّ أن تفهم ما عند الآخر ويفهم ما عندك .
-  إنّ القوم الّذين أقامهم الله تعالى لدعوة الخلق، عرّفهم بأسلوب التذكير، لذلك انقاد لهم بسبب ذلك الكبير والصغير، والجليل والحقير، كلامهم مقبول في الأسماع، لأنّ وعظهم يصدر من القلوب لا من الكتب، والكلام إذا صدر من القلب وقع فيه، فلهذا أثّرت في القلوب موعظتهم، وسارت في السامع إشـارتهم .
         يقول الله تعالى : ( ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتى هى أحسن / النمل آية / 125 ) .
         لقد فهموا هذه الآية الكريمة !، وجاء الناس على أقسام ثلاثة، فعن عائشة رضي الله عنها : ( مرّ بها سائل فأعطته كسرة، ومرّ بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أنزلوا النّاس منازلهم ) رواه أبو داود في سننه كتاب الأدب ورقم الحديث ( 4202 ) .
         فالقسم الأوّل : لا ينقاد للمذكّر إلاّ بالحكمة، وهم الخاصّة من عباد الله تعالى .
         أمّا القسم الثاني : تفيده الموعظة الحسنة الواقعة بين ترغيب وترهيب، أي برفق وملاطفة .
         أمّا القسم الثالث : أهل المجادلة، وهو الّذي أتعب المرشدين، رسولا ووليّا، فأباح الله تعالى للرسول فتح باب المجادلة معهم، إلاّ أنّه قيّدها بالّتي هي أحسن، وهكذا الأحسن فالأحسن، ولهذا كان السيف آخر درجات التبليغ، ومن تخلّف عن هذه الخطّة المشروعة للتذكير، ففي الغالب يكون أمره مردودا عليه .
         وكلّ ذلك يستفاد من قوله صلّى الله عليه وسلّم، فعن القاسم ابن عوض الشيبانيّ رضي الله عنه، قال في حديث طويل : ( ………………… أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن لا يغلبونا على ثلاث : أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونعلّم النّاس السّنن ) رواه الإمام أحمد في مسنده مسند الأنصار ورقم الحديث ( 20487 )، أي برفق ولين، ليكون أدعى للقبول، والله أعلى وأعلم .
-  ومن موقع هذا يمكن أن نبدأ الخطوات الّتي تقود إلى اليقين، وفي ضوء ذلك فنحن ننطلق من القرآن الكريم الّذي فتح باب الحوار مع الأديان .
         يقول الله تعالى : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالّتي هى أحسن / العنكبوت آية / 46 ) .
         فالقرآن يمثّل حركة فكريّة في مسألة الحوار مع أهل الكتاب، لا في عقائدهم التفصيليّة فحسب، بل حتّى في سلوكهم .
         نحن لسنا ضدّ الغرب، بمعنى الناس الّذين يعيشون هنا، أو بمعنى الغرب : العلم، أو الثقافة، أو التكنولوجيا، قد نختلف مع بعضنا في هذه الأمور، أو كما يختلف الغرب مع بعضه، ولكن طبيعة التنوّع الفكريّ بيننا وبين الغرب تفرض اختلافا بيننا وبينهم، ولكن هذا الاختلاف يفرض الحوار، ولا يفرض العـداء .
         إنّ التقريب بين الأديان السماويّة لا يعني إدماج أحدها في الآخر، أو تنازل أحدها للآخر عن مبادئه ومعتقداته، ولو صحّ هذا القصور فإنّ من الواجب أن يتنازل من ثبت زيفه لمن ثبت نقاؤه، ومن ثبت انحرافه لمن ثبتت استقامته لا العكس، يقول الله تعالى : ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ مصدّقا لّما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم عمّا جاءك من الحقّ لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة ولكن لّيبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون * وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولّوا فاعلم أنّما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإنّ كثيرا مّن النّاس لفاسقون * أفحكم الجاهليّة يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون / المائدة آية / من 48  -  50 )، ويقول الله تعالى : ( بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل ممّا تصفون / الأنبياء آية / 18 ) .        
ثامنا : إخراج هذا الكتاب
         لقد وفّقني الله تعالى لإنجاز هذا الكتاب وإخراجه إلى حيّز الوجود، وفي الحقيقة كلّه دعوة إلى الاحترام المتبادل، والمودّة، والإخاء، وتقريب وجهة النظر، والتعايش السلميّ ما بين بني البشر، بغضّ النظر عن اختلاف دياناتهم وأجناسهم ولغاتهم وأعراقهم، فكلّهم لآدم عليه السلام، وآدم من تراب .
         ولقد أسميت هذا الكتاب : حوار المسلمين مع أتباع الأديان، ودعوة الكتب السماويّة المنزلة لتوحيد الله تعالى، وقد قسّمته إلى ستّة فصول، ومقدّمة، وهذه الفصول هي 
الفصل الأوّل : ويبحث في مواضيع عامّة عن التوحيد، والأديان .
الفصل الثاني : ويبحث في مقتطفات عن الأديان، ومقارنتها، وميّزاتها .
الفصل الثالث : ويبحث في تعريف عن الحوار مع أتباع الأديان، والكتب السماويّة الّتي تدلّ على توحيد الله تعالى .