New Page 1
New Page 1
صفحة الطريقة العلوية الدرقاوية على اليوتيوب
----------------
صفحة الشيخ الدكتور احمد الردايده على الفيس بوك
----------------
جمعية الشيخ العلاوي لاحياء التراث العلوي في المغرب
----------------
الطريقة الشاذلية على ويكيبيديا
----------------
صفحه الشيخ الدكتور احمد الردايده على قناه اليوتيوب
----------------
 
 
مؤلفات
في رحاب الله - ركن الأحسان

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة 

         إنّ الله الخالق المبدع لهذه الكائنات هو المتفرّد في حكمه وشأنه لا يشاركه في ذلك أيّ كان    كيف لا وله الأمر من قبل ومن بعد، وأمره بين الكاف والنون ( إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كنّ فيكون / يس آية / 82 )، لقد كلّف الله المخلوقات من عالم الثقلين وفرض عليهم أمورا تعبديّة وغيرها لا حاجة له بها ولكن كلّ ذلك حتى يعلّم مخلوقاته بأنّه هو المتعالي المتفرّد في ملكه ولا يطاوله شيء في عليائه، وهذه من الأمور التعليميّة التي تقتضيها طبيعة الخلق في هذا الكون، فسبحانه من معلّم خلق وأعطى ثم اشترى، فهذا هو قمّة الرحمة المسداة منه إلى مخلوقاته بدون حصر ولا تميّيز، إذن فالكلّ يشهد له بالوحدانيّة طوعا وكرها استشعر بذلك أم لم يستشعر، الّلهمّ علّمنا من علمك المكنون ما أنت أهل له وتكرّم علينا بفضلك وجودك يا ربّ العالمين . 
         إنّ خير القول هو قول الله تعالى وخير الهدي هو هدي رسوله صلّى الله عليه وسلّم فذاك هو السند القويّ والحجّة البالغة على المعتقد والمنتقد من بني البشر عامّة والمسلمين خاصّة، فالنصيحة هي واجبة على كلّ مسلم ومسلمة والأولى بأن يتصدّر لها العلماء المتشرّعين في الدين والذين يحملون في جوانح قلوبهم علما شرعيّا ربانيّا يبيّن وينظّم العلاقات بين بني البشر بشكل عام ومن كافة وجوهه .     
أولا : فيما بين العبد وربّه  
ثانيا : فيما بين العبد ونفسه    
ثالثا : فيما بين العبد وإخوانه المسلمين خاصة 
رابعا : فيما بين العبد والمخلوقات عامة 
         والرابعة تقتضي صفة التوادد والتراحم الذي هو فرض عين على كلّ فرد من بني البشر على اختلاف ألوانهم ومللهم وعقائدهم لأنّ ذلك من الأمور الضروريّة لعمار الكون واستمرار الحياة على ظهر هذه البسيطة، ولذا فلا حجّة للإنسان في ذلك بل الحجّة مقامة عليه في فعله وقوله وعمله وكيفما تولّى، حيث يقول الله تعالى في محكم التنزيل ( إنّما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتّقوا الله لعلّكم ترحمون / الحجرات آية / 10 )، ( ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين / النحل آية / 125 ) .
         فإذا كانت المجادلة وردت في حقّ أهل الكتاب، فالأولى أن تكون للمسلم، وأن لا يسفّه المسلم عقيدة أخيه المسلم لأنّ في ذلك إثما كبيرا جدا وسخطا من الله تعالى عليه ونتيجة ذلك أن يحبط الله عمله وينقّص من حسناته ويحمّله أوزار الآخرين من إخوانه المسلمين، وقد ختم ذلك الله تعالى بأنّه هو العليم بعباده بمن هو على الهدى أو الضلالة فهو خالقهم وهو أعلم بهم وهو الذي يسألهم إن كانوا متّقين أم لا لأنّه هو ربّهم ولا ربّ سواه،ويجب أن يحسن الإنسان الظنّ في المسلمين فكلّهم يقول : ( لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ) وهذه الشهادة هي الفارق ما بين المسلم والكافر ولو كان المسلم مقصّرا في حقّها بعض الشيء .
        لقد ورد عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم ما يفيد ذلك   
        عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله ويقيموا الصّلاة ويؤتوا الزّكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّ الإسلام وحسابهم على الله ) رواه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان ورقم الحديث ( 24 ) .
        عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا : لا إله إلاّ الله، فمن قال لا إله إلاّ الله فقد عصم منّي نفسه وماله إلاّ بحقّه وحسابه على الله، رواه عمر، وابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ) رواه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير ورقم الحديث ( 2727 )، والنسائي في سننه كتاب الجهاد ورقم الحديث ( 3039 ) .
         إنّ رسولنا صلّى الله عليه وسلّم هو خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ودينه الإسلاميّ بعث به لكلّ الأمم أحمرهم وأبيضهم وأسودهم وأشقرهم وعلى كلّ ألوانهم وأماكنهم، وإنّ هذا الرسول صلّى الله عليه وسلّم له من الميّزات الكثيرة على غيره من أقرانه حيث أن الله خلقه أوّل الخلق، وهو يبعث أوّل الخلق يوم القيامة، وأوّل من تنشق الأرض عنه يوم النفخ في الصور، فحقيقته عند الله عظيمة جدّا . 
         لقد روى الطبراني، عن ابن عبّاس رضي الله عنهم، قال : ( قيل يا رسول الله متى كنت نبيّا قـال : وآدم بين الروح والجسد ).
         ثمّ قالالسخاويكغيره : وأمّا ما يجري على الألسنة بلفـظ : ( كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين )،فلم نقف عليه بهذا اللفظ فضلا عن زيادة ( وكنت نبيّا، ولا آدم، ولا ماء، ولا طين ).
         وروى الترمذي أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنهما، أنّهم قالوا : ( يا رسول الله متى وجبت لك النبوّة، قال : وآدم بين الروح والجسد ).
         وعنالشعبيقال رجل : ( يا رسول الله،متى استنبئت، قال: وآدم بين الروح والجسد حين أخذ من الميثاق ) .
         وقالالسبكي:فإن قلت النبوّة وصف لا بدّ أن يكون الموصوف به موجودا، وإنّما يكون بعد أربعين سنة، فكيف يوصف به قبل وجوده وقبل إرساله ؟ .   
         قلت : جاء أنّ الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد فقد تكون الإشارة بقوله : كنت نبيّا إلى روحه الشريفة أو حقيقته، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، وإنّما يعرفها خالقها، ومن أمدّه بنور إلهيّ . 
         ونقلالعلقميّ، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، رضي الله عنهم، مرفوعا أنّه قـال : ( كنت نورا بين يديّ ربّي عزّوجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ).
         إنّه ممّا ورد في الأثر المحمدي بأنّ الله أوّل ما خلق القلم، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال لابنه : ( يا بنيّ إنّك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وماأخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : إنّ أوّل ما خلق الله القلم
فقال له : اكتب، قال : ربّ وماذا أكتب، قال : اكتب مقادير كلّ شيء حتى تقوم الساعة، يا بنيّ، إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : من مات على غير هذا فليس منيّ ) رواه أبي داود في سننه كتاب السنّة ورقم الحديث ( 4078 ) .
         وروىالسدّيبأسانيد متعدّدة : أنّ الله لم يخلق شيئا ممّا خلق قبل الماء، فيجمع بينه وبين ما قبله بأنّ أوّليّة القلم بالنسبة إلى ما عدا النور النبويّ المحمديّ والماء والعرش، وقيل الأوليّة في كلّ شيء بالإضافة إلى جنسه، أي أوّل ما خلق الله من الأنوار نوري وكذا باقيها . 
        وفيأحكام ابن القطّان،فيما ذكرهابن مرزوق،عن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه رضي الله عنهم، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : ( كنت نورا بين يديّ ربّي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام ) .  
       قال الشبراملسيّ:ليس المراد بقوله : من نوره ظاهره من أنّ الله تعالى له نور قائم بذاته لاستحالة عليه تعالى لأنّ النور لا يقوم إلاّ بالأجسام، بل المراد خلق من نور مخلوق له قبل نور محمّد وأضافه إليه تعالى لكونه تولّى خلقه، ثمّ قال : ويحتمل أنّ الإضافة بيانه، أي خلق نور نبيّه من نور هو ذاته تعالى، لكن لا بمعنى أنّها مادة خلق نور نبيّه منها، بل بمعنى أنّه تعالى تعلّقت إرادته بإيجاد نور بلا توسّط شيء في وجوده، قال : وهذا أولى الأجوبة نظير ما ذكره البيضاويّ،في قوله تعالى : ( ثمّ سوّاه ونفخ فيه من روحه )،حيث قال : أضافه إلى نفسه تشريفا وإشعارا بأنّه خلق عجيب وأنّ له مناسبة إلى حضرة الربوبيّة .       
        إذا يا إخواني فماذا نعمل بالمسلم الذي يقول : ( لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله )،وما هو حكمنا عليه، فوجب علينا أن نتقي الله تعالى في مخلوقاته حيث أنّ حسن الظنّ بهم هو الأولى والأحسن وخاصّة من العلماء والفقهاء، وكذلك فإنّ ما هو وارد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذا الباب الشيء الكثير . 
        عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى ) رواه مسلم في صحيحه باب كتاب البرّ والصلة والآداب ورقم الحديث ( 4685 ) . 
        عن أنس رضي الله عنه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال :( لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ) رواه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان ورقم الحديث ( 12 )،والترمذيّ في سننه كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورقم الحديث ( 2439 ) والإمام أحمد في مسنده باقي مسند المكثرين ورقم الحديث ( 13452 )، والدارميّ في سننه كتاب الرقاق ورقم الحديث ( 2623 ) .
        ونحبّ أن ننوّه أنّه قد سبق وأن صدر لنا الجزء الأوّل من : ( في رحاب الله / ترجمة مختصرة عن أركان الدين /ركن الإسلام ) وذلك عام 1995 م، ولقد ورد فيه شرح بشأن هذا الركن وبما وفقني الله إليه وبلغة تلائم مفهوم أهل هذا العصر وبما يوافق القرآن الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة، حيث أنّ العبادة لكافّة المخلوقات على اختلاف أنواعها وأجناسها بشكل عام ولعالم الثقلين بشكل خاصّ فهي
فطرة مختزنة في سرّ الجميع، ومنها أنّ أيّ من الأشياء أو الكائنات قد دوّن في فطرتها أن يكون لها إلها تعبده وتتقرّب وتتضرّع إليه، يقول الله تعالى :( فطرة الله الّتي فطر النّاس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدّين القيّم ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون / الروم آية / 30 ) .
        لقد ارتأينا إنّه من الضروري بأن نقدّم الكتابة في : ( الركن الثالث وهو ركن الإحسان وهو ركن التوحيد الصرفقبل : ( الركن الثاني وهو ركن الإيمان )، وهما من أركان الدين للضرورة في ذلك، نظرا لأنّ كثيرا من المسلمين بشكل عامّ، وبعض العلماء المتشرّعين بشكل خاص يشدّدون النكير على أهل هذا الركن المهم، لأنّ علمهم كليل، ولا يوجد لهم باع طويل في علم التوحيد، وذلك بأن يصلح المخلوق شأنه أولا مع خالقه وقبل كلّ شيء، وهي الغاية الجليلة العالية التي خلق الله من أجلها الإنسان، وسخّر له كلّ ما في هذا الوجود، وهيأ له كافّة ما يلزمه، حتّى تكون الحجّة قائمة عليه،وإنّ السبب في صعوبة إدراك هذا العلم بشكل عام لأنّه شعوريّ وذوقيّ ونورانيّ، وهو استمرار ديمومة مراقبة العبد لله جلّت قدرته على كافّة وجوهه وأحواله .
        إنّ هذا الركن وهو : ركن الإحسان من الأركان الرئيسيّة في الدين، وهو ذروة الدين الإسلاميّ، حيث لا يكون العبد قريبا من ربّه إلاّ إذا كان له نصيبا من هذا المقام الذوقيّ الرفيع العالي الشــأن    
        لقد ورد ذلك في الأثر المحمّدي : فعن أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي الله عنهما، قالا : ( كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يجلس بين ظهرانيّ أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيّهم هو حتى يسأل،    فطلبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكّانّا من طين يجلس عليه، وإنّا لجلوس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مجلسه إذ أقبل رجل أحسن الناس وجها، وأطيب النّاس ريحا، كأنّ ثيابه لم يمسّها دنس، حتّى سلّم في طرف البساط، فقال : السلام عليك يا محمّد، فردّ عليه السلام، قال : أدنو يا محمد، قال : أدنه، فما زال يقول : أدنو مرارا ويقول له : أدن حتى وضع يده على ركبتيّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال : يا محمّد أخبرني ما الإسلام، قال : الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحجّ البيت وتصوم رمضان، قال : إذا فعلت ذلك فقد أسلمت، قال : نعم، قال : صدقت، فلمّا سمعنا قول الرجل صدقت أنكرناه، قال : يا محمّد أخبرني ما الإيمان، قال : الإيمان بالله وملائكته والكتاب والنبيّين وتؤمن بالقدر، قال : فإذا فعلت ذلك فقد آمنت، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : نعم، قــال : صدقت، قال : يا محمّد أخبرني ما الإحسان، قال : أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، قال : صدقت، قال : يا محمّد أخبرني متى الساعة، قال : فنكّس فلم يجبه شيئا، ثمّ أعاد فلم يجبه شيئا، ثمّ أعاد فلم يجبه شيئا، ورفع رأسه فقال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ولكن لها علامات تعرف بها : إذا رأيت الرعاء البهم يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة العراة ملوك الأرض، ورأيت المرأة تلد ربّتها، خمس لا يعلمها إلاّ الله : إنّ الله عنده علم الساعة، وينزّل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأيّ أرض تموت، إنّ الله عليم خبير، ثمّ قال : والّذي بعث محمّدا بالحقّ هدّى وبشيرا ما كنت أعلم من رجل منكم، وإنّه لجبريل عليه السلام نزل في صورة دحيّة الكلبيّ ) رواه النسائي في سننه كتاب الإيمان وشرائعه ورقم الحديث ( 4905 ) .
         يقول الإمام ابن قيم الجوزيّة رضي الله عنه، في كتابه مدارج السالكين، الجزء الثاني الصفحـة 459،نقتبس منه : إنّ ركن الإحسان هو لبّ الإيمان وروحه وكماله، وهو يجمع جميع المنازل، ولقد قال صاحب المنازل رحمه الله تعالى وقد استشهد على هذا الركن بقوله تعالى : ( هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان / الرحمن آية / 60 )،فالإحسان جامع لجميع أبواب الحقائق وهو أن تعبد الله كأنّك تراه، وقال ابن عبّاس رضي الله عنهما والمفسرّون : هل جزاء من قال : لا إله إلاّ الله،وعمل بما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم إلاّ الجنّة، وقد ورد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قرأ : ( هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان )، ثمّ قال : ( هل تدرون ماذا قال ربّكم، قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : يقول : هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلاّ الجنّة )،وهذا إشارة إلى كمال الحضور مع الله عزّ وجلّ ومراقبته الجامعة لخشيته ومحبّته ومعرفته والإنابة إليه والإخلاص له، ولجميع مقامات الإيمان، قال وهو على ثلاث درجات  
أولا : الإحسان في القصد بتهذيبه علما وإبرامه عزما وتصفيته حالا   
ثانيا : الإحسان في الأحوال وهو أن تراعيها غيرة وتسترها تظرّفا وصحّحها تحقّيقا   
ثالثا : الإحسان في الوقت وهو أن تزايل المشاهدة أبدا ولا تخلط بهمّتك أحدا وتجعل هجرتك إلى الحقّ سرمدا   
        ويقول في الثالثة : بأنّه لا يقدر عليها إلاّ أهل التمكين الذين ظفروا بنفوسهم وقطعوا المسافات التي بين النفس وبين القلب، والمسافات التي بين القلب وبين الله، بمجاهدة القطّاع التي على تلك المسافات، إنّ كلّ متوجه إلى الله بالصدق والإخلاص فإنّه من المهاجرين إليه، فلا ينبغي أن يتخلّف عن هذه الهجرة، بل ينبغي أن يصحبها سرمدا حتى يلحق بالله عزّ وجلّ، فما هي إلاّ ساعة ثمّ تنقضي، ويحمد غبّ السير من هو سائر، ولله على كلّ قلب هجرتان وهما فرض لازم على الأنفاس : هجرة إلى الله تعالى بالتوحيد والإخلاص والإنابة والحبّ والخوف والرجاء والعبوديّة، وهجرة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالتحكيم له والتسليم والتفويض والانقياد لحكمه، وتلقّي أحكام الظاهر والباطن من مشكاته، فيكون تعبّده به أعظم من تعبّد الركب بالدليل الماهر في ظلم الليل ومتاهات الطريق، فمن لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فليحث على رأسه الرماد، وليراجع الإيمان من أصله فيرجع وراءه ليقتبس نورا، قبل أن يحال بينه وبينه، ويقال له ذلك على الصراط من وراء السور والله المستعان .      
        يقول سعيد حوّىرضي الله عنه،في كتابه تربيتنا الروحيّة، الصفحة ( 297 )، نقتبس منه : هو ذروة السير إلى الله أن يصل السائر في سيره إلى مقام الإحسان الذي عبّر عنه الحديث النبويّ الشريف السابق الذكر، فهذا مقامان كلّ منهما يسمّى إحسانا، ويختلف الصوفيّة في أيّ المقامين أرقى، وظاهر الحديث أنّ العبادة وأنت في مقام :( أن تعبد الله كأنّك تراه ) هو الأرقى وكلّ طريقة من الطرق اعتمدت بعض المعاني لتوصيل السالك على يد شيوخها إلى هذا المقام، والعلم والذكر هما الركنان، ولكن هنالك نوع من العلم له صلة بهذا المقام وهناك معان لا بدّ أن يلحظها السائر إلى الله
أثناء ذكره ليصل إلى هذا المقام . 
        وبشكل عام فإنّ السائر إلى الله ليصل إلى مقام الإحسان فإنّه يمرّ على ما يسميّه الصوفيّة الفناءات، والفناء في الأفعال بأن يحسّ الإنسان أنّ كلّ شيء فعل الله، والفناء في الصفات بأن يستشعر الإنسان صفات الله عزّ وجـلّ والفناء في الذات وهو أن يستشعر الإنسان أوليّة الذات الإلهيّة وصمدانيتها، ومتى استقرّ في هذا المقام أحسّ بمقام الإحسان، ويحاولون في هذه الحالة أن ينقلوه إلى مقام المشاهدة مع رؤيته الخلق وهذا يسمّونه مقام البقاء، وقد تكون النقلة إلى الفناء في الصفات مباشرة، أو قد تكون إلى الفناء في الذات مباشرة،ثمّ يبدأ السائر يستشعر ما سوى ذلك، وكما قلنا فلكلّ طريقة ما تعتمده من ملاحظات أثناء الذكر أو أثناء السير لتصل بالمريد إلى هذه النتيجة ومجموع الملاحظات هذه إمّا أنّها ملاحظات تجريبيّة دلّت عليها التجربة، وإمّا أنّها نوع تطبيق لبعض الآيات القرآنيّة، انتهى الاقتباس.
        لقد تمّ تقسيّم هذا الكتاب إلى بابين : الأول عام، والثاني خاص، وفيهما فصول .  
        فالباب الأول : يبحث في مسائل كثيرة هي من الأهميّة بمكان ومن الضروريّات، وكذلك يردّ على بعض الاستفسارات والأسئلة والتي تدور في مخيلّة الإنسان حول هذا الركن : ( الإحسان )، المستغرب والمستهجن عند كثيرا من الناس لعدم معرفتهم فيه، أو بالأحرى لقلّة الذين يكتبون ويبحثون في هذا الزمان بهذا الركن والذي يقوم عليه شأن الدين كلّه بالكامل ليبيّنوا ويطلعوا الناس عليه إمّا لعدم علمهم ومقدرتهم للبحث فيه، أو لأنّهم وقفوا مع أنفسهم وحظوظها وشهواتها الذاتيّة التي تتعلّق منها بالجاه أو المنصب أو الوظيفة أو الرفعة أو السمعة الطيبة والإطراء الحسن في هذه الدنيا، وبسبب ذلك لا يريدون أن يتجاوزا ذلك ويتخلّصوا منه حتى لا يضيّعوا عليهم حظّهم الذي اكتسبوه في هذا الدنيا، وهنا أتسأل أيّهما أفضل للعبد الدار الفانية أم الباقية ؟ . 
        يقول الله عزّ وجل :( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب / الشورى آية / 20 )، وعن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه رضي الله عنهما، قال : ( قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالخيف من منى، فقال : نضّر الله أمراء سمع مقالتي فبلّغها، فربّ حامل فقه غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهن قلب مؤمن : إخلاص العمـل لله، والنصيحة لولاة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم ) رواه ابن ماجة في سننه كتاب المناسك ورقم الحديث ( 3047 ) .
        فانظر رحمك الله إلى هذه الآية والحديث النبويّ الفاصلة والواضحة والجامعة المانعة لكلّ المعاني إجمالا فيما يتعلّق في الدار الدنيا والدار الآخرة، فهنا مجال العقل السليم الذي يختار الأفضل ولا يؤثر عليه شيء في هذه الدنيا، هدانا الله لما فيه الخير والفلاح آمين .
        أمّا الباب الثاني : فإنّه يبحث في ركن الإحسان، وما يتعلّق به من وجوه شتى وكثيرة، وما يحدث مع أهل هذا الركن مستمدّا ذلك من القرآن الكريم، ومدعوما بالأحاديث النبويّة الشريفة، وأقوال الصحابة، وأئمّة المسلمين، والعلماء الفحول، والصالحين من هذه الأمّة رضي الله عنهم، الّذين أفنوا كلّ حياتهم مكافحين ومدافعين عن الدين الإسلاميّ، وكذلك ما هي النتائج المرجوّة منه، وأنّ كثيرا من الناس ينعتون أهل هذا الركن بالضعف والاستكانة والجهل وسوء الظنّ بهم وهذا هو الخطأ بعينه، فعند ذلك فقد تجراؤا وافتروا على خلق الله وأساءوا إليهم لأنّه تعالى هو العليم بعباده، وقد حصل هذا بسبب أنّ هؤلاءّ ممّن ألفوا القرب من الله واستشعروا بذلك حقيقة لا خيالا كما يظنّ البعض وإنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا، ولا يحصل الإنسان على هذا الشيء الثمين إلاّ بعد جهاد النفس وهو الجهاد الأكبر لإرغامها على طاعة الله ليصلح شأنها مع الخالق سبحانه وتعالى، فعندها يكون له نصيب من مقام الأنس الربانيّ الذي أختص الله به عباده الصالحين الذين غابوا عن القرب في عظيم القرب من حيث لا كيف ولا أين ولا مثلية محسوسة لذلك، وهذا أمر فيه بعض الغرابة . 
        ولننظر ماذا ورد في الأثر المحمديّ في هذا الشأن : فعن مصعب بن سعد، عن أبيه رضي الله عنهما : ( أنّه ظنّ أنّ له فضلا على من دونه من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم : إنّما ينصر الله هذه الأمّة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم ) رواه النسائي في سننه كتاب الجهاد ورقم الحديث ( 3127 )، ويقول الصالحون رضي الله عنهم : ( من ذاق عرف )،فلا يحصل الإخلاص للإنسان إلاّ أن يكون له نصيبا من هذا الركن ويشعر بذلك الذوق غير المألوف لغالب الناس حقيقة، فيكون عندها قد خصّه الله بسرّ الإخلاص الذي وصفه الصالحون رضي الله عنهم بقولهم : ( الإخلاص هو سرّ من أسرار الله يقذفه الله في قلب من أحبّ من عباده )،فانظر رحمك الله الفارق ما بين من يدّعي الشيء وبين من هو متوّفر عنده الشيء، حقيقة لا يوجد نسبة بينهما نرجو الله الهداية للجميع آمين .

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحــيم